البث المباشر الراديو 9090
الدكتور رضا أمين
مع انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، وسهولة التواصل بين المستخدمين، تجرأ البعض على أن يعمل (مفتيا) في هذه الشبكات، دون أن تتوفر فيه الصفات المؤهلة لإصدار أحكام دينية في القضايا المختلفة، وهو أمر خطير، لأنه شكل من أشكال نشر الجهل بين الناس، خاصة إذا كانت مثل هذه الفتاوى تحرم حلالا، أو تحل حراما.

 

ومن أشهر وأعجب الفتاوى التي انتشرت بين مستخدمي شبكات التواصل فتوى بأن التدخين لا يبطل الصيام! وأخرى تزعم أن أكل (السمبوسك) حرام! وفتوى بتحريم تربية الدجاج الأبيض!، وزعم أحدهم أن شرب الماء لا يفسد الصيام في الأيام شديدة الحرارة! وغيرها من الأمور التي تلبس على الناس أمر دينهم، وتوردهم المهالك.

وإذا كان المريض لا يثق إلا في الطبيب الذي يقدم له العلاج المناسب لظروف مرضه، والمهندس هو الأقدر على تقديم الاستشارات المعمارية والإنشائية بحكم تخصصه، فإنه من غير المناسب أن يأخذ المسلم دينه وحكم الدين في القضايا المختلفة من غير المتخصصين في الفتيا المؤهلين لذلك تأهيلا مناسبا، حيث حذر النبي صلى الله عليه وسلم من أن يتصدر للفتوى من ليس عالما بدقائقها، فقال في حديث رواه البخاري: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا).

لذلك فإن المؤسسات الرسمية - كالأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية - هي المصادر الموثوقة لتلقي علوم وأحكام الدين، خاصة في القضايا المعاصرة والمستحدثة، حيث يوجد بتلك المؤسسات هيئات تضم علماء أفاضل يدرسون المسألة من جوانبها المتعددة، ثم يصدرون حكما باسم هذه المؤسسة، وفق فهم صحيح للمسألة، وقدرة على استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة المعتبرة، وقدرة على الفهم الصحيح للواقعة التي يطبق عليها الحكم الشرعي، لذلك فإن الاجتهاد المؤسسي من الجهات المعتبرة والموثوق فيها أولى من الاجتهاد الفردي.

وقد أحسنت دار الإفتاء المصرية صنعا حينما خصصت المؤتمر السنوي لها هذا العام – الذي أقيم برعاية رئيس الجمهورية – موضوع (الفتوى والبناء الأخلاقي في عالم متسارع) ليكون عنوان مؤتمرها العالمي التاسع الذي عقد في 29-30 يوليو الماضي، لتؤكد على أهمية تعزيز الوعي والتفاهم العالمي بأهمية الفتوى الرشيدة في إرساء منظومة المبادئ والأفكار العالمية لتكون قائمة على الأخلاق والقيم الإنسانية المشتركة.
إننا نعيش في عصر التخصص.

ولذا لا ينبغي أن يستسهل البعض في إطلاق الأحكام عبر منصات التواصل الرقمي، حتى لا يكون أداة من أدوات نشر الجهل أو الأفكار المتشددة أو الآراء الشاذة بين مستخدمي هذه المواقع.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز