د. رضا أمين
أولا: يعد شهر رمضان شهر تنمية الإرادة الذاتية للمسلم، حيث يقوم الصوم بتدريب المسلم على التحرر من قيود الشهوات التي يعيش كثير من الناس في أسرها، فالطعام والشراب أمامك، لكنك تمسك عنهما امتثالا لأوامر الله تعالى الذي كتب علينا الصيام (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، فالإنسان لا يعيش في هذه الحياة من أجل إرضاء شهواته أو الاستجابة لكل ما ترنو إليه نفسه، والصوم بهذا المعنى يعيد المسلم إلى ما يريد الله تعالى أن يعلمه للإنسان، فلم يخلق الله الناس للأكل والشرب والتناسل، إنما خلقهم لغاية أسمى وأرقى وهي عبادته سبحانه، والطعام والشراب وغيرهما من النعم التي أنعم الله بها على الإنسان هي أدوات مساعدة لتحقيق الهدف الأسمى.
ثانيا: هناك ملمح آخر من وراء الصيام شهرا كل عام، وهو أن الإنسان مادة وروح، ولا يمكن أن يحيا الإنسان حياة مستقيمة دون أن يحقق شكلا من أشكال التوازن بينهما، فكثير من الناس يهتم بالجسد تزكية وتلبية لرغباته الجامحة أحيانا، وينسون في غمار انغماسهم في تلبية حاجات الجسد أن هناك نفسا تحتاج إلى عمل دؤوب ومتواصل لتزكيتها، والسمو بها إلى مقامات رفيعة.
وهذه النفس تحتاج إلى جهد جهيد ومجاهدة ليرتقي الإنسان بها لتلك المراتب العليا، قال تعالى (قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها) ودساها أي جعلها خاملة لديها الجرأة على ارتكاب المعاصي والذنوب، ولم يرتق بها للدرجات العالية الرفيعة، ولعل ذلك ما قد يفهم من الحكمة الإلهية من الصوم في الآية الكريمة (لعلكم تتقون).
ثالثا: إن من مظاهر الصوم وتجلياته في حياة المسلم التدريب على مراقبة الله تعالى، حيث يستشعر الصائم أن الله مطلع عليه وعلى ما في قلبه (يعلم السر وأخفى) فالطعام والشراب أمامك في كل يوم، وربما لا يراك أحد، لكنه التدريب على مراقبة الله لك في السر والعلانية، فإذا ترسخت لدى المسلم هذه المعاني فإنه يتعود على محاسبة نفسه في أي عمل يعمله، ويدرك تماما أن الله مطلع عليه، ولعله من الأنسب أن يسأل المسلم نفسه سؤالا قبل الإقدام على أي فعل: هل هذا العمل يرضي الله، فأفعله، أم لا يرضيه فأتجنبه.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا للاستفادة من فريضة الصيام، تزكية لنفوسنا، وزيادة في خشية الله، وتدريبا على مراقبة الله في كل أعمالنا.