الدكتور توفيق أكليمندوس
برلين، على بعد 60 كيلو مترًا من بولندا، وعلي بعد 9 ساعات بالسيارة من الجبهة "الروسية - الأوكرانية"، نعم الإحساس بالخطر تراجع بعد صمود أوكرانيا البطولي، كان الكل يتوقع سقوطها بعد أسبوع أو اثنين من الحرب، وفاجأت الجميع بكفاحها، ولكن الرعب قد يعود إن تدهور الوضع الأوكراني.
مشكلة ألمانيا، أنَّ قصة نجاحها الاقتصادي المُبهر أخفى وجهًا آخر للحقيقة أقل إشراقًا، وأن الأركان التي قام عليها النجاح ضعفت للغاية.
النجاح الاقتصادي تم علي حساب سياسات رعاية الطفولة، الأطفال استثمار في المستقبل، ولكنه مكلف، حضانات، مدارس، رعاية صحية، إجازات مدفوعة الأجر وطويلة للأمهات، رفض هذا الاستثمار تسبب في قلب الهرم السكاني وإضعاف معدلات الإنجاب، وارتفاع المتوسط العمري للسكان، وتُعاني ألمانيا من اختلالات قوية في سوق العمل لهذا السبب.
نجحت ألمانيا في تحقيق إدماج اقتصادي لألمانيا الشرقية بعد توحيد البلد عقب انهيار الشيوعية، وتطلب هذا سياسات طويلة النفس، ومُثابرة وإصرار، ولكنها فشلت في إدماجها "ثقافيًا"، ودون الدخول في تفصيلات، يكفي أن نقول أن الخطاب الذي يضمن لك أصواتًا في ألمانيا الغربية يفقدك أصوات في ألمانيا الشرقية.. والعكس صحيح.
الأرقام المُبهرة أخفت لعقد أو عقدين القصور الشديد في الاستثمار بالبنية التحتية، وفي تحديث الصناعة وتطويرها، وفي الإسكان، وهي مشكلة باتت جلية، ولم تخفٍ هذه الأرقام إحجام ألمانيا عن الإنفاق على الأمن والدفاع، وسأعود إلى هذه النقطة.
حرصت نصوص الدستور الألماني على منع تركيز السلطة في يد واحدة، والبنية الفيدرالية للدولة دعمت هذا الاتجاه، شأنها شأن الخريطة الانتخابية الألمانية، كل الحكومات ائتلافية، هذا الوضع يتسبب في بطء شديد في عملية اتخاذ القرار، وأحيانًا يضمن هذا البطء رشادة واضحة، وأحيانًا نشاهد قرارات هي حلول وسطى مُرها أكثر من حلوها، وأحيانًا يكون هذا البطء تعطيلًا لا لزوم له.
قام النجاح الألماني على أركان ضعفت، ألمانيا كانت تحصل على الأمن الذي يوفره الناتو دون أن تُسهم في تمويله بما يكفي، وكانت تحصل على طاقة رخيصة من روسيا، تضمن تنافسية مُنتجاتها، عصر الطاقة الرخيصة انتهى، وكانت تعتمد على سوق كبرى "الصين"، وهي تحاول الاحتفاظ بهذه الميزة رغم التدهور الواضح في العلاقات.
د.توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية بالمركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية.