البث المباشر الراديو 9090
الدكتور توفيق أكليمندوس
لـ"هيجل" ـ وما أدراكم من هذا العملاق - جملة معروفة "طائر مينرفا ـ أي طائر الحكمة - لا ينطلق قبل الغسق"، ويقصد بهذا أنه لا يُمكن فهم مرحلة أو حقبة تاريخية فهمًا سليمًا قبل انتهائها، أفلاطون وأرسطو.

عملاقان لا مثيل لهما في تاريخ الفكر العالمي، ليس فقط لنبوغهما، أو لرقيهما، بل لأنهما عاشا في نهاية حقبة المُدن الإغريقية، مما سمح لهما بالتفكير في تجربة اليونان الفريدة ومسارها التاريخي وبتقييمها.

أميل مع غيري إلى اعتبار القرن العشرين قرن الأفول الأوروبي، أوروبا باتت «قارة الظلمات» كما يقول مؤرخ، قارنوا بين وضعها سنة 1900 وسنة 2000، تذكروا حربين عالميتين والتخريب الشامل للقارة، تذكروا عشرات الملايين من القتلى، التضحية بأجيال بالكامل، تذكروا البربرية والوحشية.

تذكروا عدم التردد في إبادة اليهود على يد ألمانيا النازية، وفلاحي أوكرانيا على يد الاتحاد السوفيتي، تذكروا التهجير القسري لملايين من البشر، تذكروا محو مدن بالكامل، وعدم التردد في قتل مئات الآلاف في يوم واحد أو بمعنى أدق في ليلة واحدة، بعض المؤرخين يقولون أنه قرن «الانتحار الأوروبي»، هو قطعًا قرن عجزت فيه القارة عن إدارة المسألتين الألمانية والروسية، ومسألة «إرث» الإمبراطورية النمساوية المجرية، التي انهارت بعد الحرب العالمية الأولى، مع تبعات كارثية.

ومن يتحدث عن انتحار أوروبا لا يتكلم فقط عن حصاد القرن الدامي، ولكنه يتحدث أيضًا عن تراجع مُعدلات الإنجاب، وعن ظواهر أخرى، مثل الضعف العسكري، الذي يجبرها على تقديم تنازل تلو الآخر، ومُختلف مظاهر التحلل الاجتماعي، أو عجز أوروبا عن مُجاراة الولايات المتحدة، والصين، في عدد من المجالات الرئيسة، وتراجع الصناعة والتعليم.

لكنه يُمكن النظر إلى الأمور من منظور مُختلف، وسرد رواية مُختلفة، يُمكن القول إن أوروبا نجحت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في إعادة الإعمار، وفي توفير "حياة كريمة" لنسبة ساحقة من أبنائها، وبنت نموذجًا فريدًا يجمع بين الديمقراطية التمثيلية، واقتصاد السوق، ودولة الرفاهية.

وبنت نظامًا إقليميًا سمح بإدارة الخلافات والصراعات بأساليب مُتحضرة، وأنظمة سياسية تقدس الحرية وتُعلي من شأن الفرد، والمُقارنة بين وضعها سنة 1945 ووضعها سنة 2000 أو 2010، تحثنا على التروي قبل القطع بأن أوروبا انتهت، فقد تمر حاليًا بأزمة عميقة، ولكنها تجاوزت في الماضي القريب ما هو أسوأ بكثير.

قد يكون أداء قياداتها الحالية رديئًا بل مُذهلًا في تفاهته، ولكن أوروبا لها علماء أجلاء وقامات علمية وفكرية وثقافية وطبقات وسطى رفيعة المستوى، والضرورة ستجبرها على التعامل الجاد مع التحديات.

ما زلتُ مُتشائمًا، مع عدم استبعاد نهائي لصحوة، نعم أوروبا أكثر تحضرًا من بعض الكبار، ولكن التاريخ يعرف حالات انتصرت فيها القوة الغاشمة على الحضارة.

من ناحية أخري يمكن القول، إن المرحلة المُقبلة تتطلب ثورة ثقافية في القارة كلها، وبالذات في ألمانيا وفرنسا، وتغييرًا جذريًا أو على الأقل تطويرًا شاملًا في الأطر المؤسسية، وفي القواعد الحاكمة للعمل الجماعي، وإيجاد حلول لقضايا اجتماعية تبدو مُستعصية، ونهضة علمية وصناعية، ومجهودًا ضخمًا لإعادة بناء جيوش، ويبدو لي وقد أكون مُخطئًا إن الطريق طويل وشاق وغير واضح المعالم، والوقت ضيق للغاية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز