البث المباشر الراديو 9090
الدكتور توفيق أكليمندوس
نجحت الحكومة الفرنسية، برئاسة السياسي المخضرم فرانسوا بايرو في الإفلات من فخ تمرير الميزانية، ولم يتم إسقاطها في مجلس الأمة، ولكنَّ الثمن؛ هو تأجيل الإصلاحات.

لجأت الحكومة إلى مادة دستورية تسمح لها بتخيير مجلس الأمة بين أمرين... إما قبول مشروع قانون – هنا قانون الموازنة- دون مناقشته ودون تعديله، وإما سحب الثقة! وعندما تسحب الثقة يضطر الرئيس إما إلى تعيين حكومة جديدة، وإما إلى حل مجلس الأمة، وإجراء انتخابات تشريعية جديدة أي الاحتكام إلى الشعب.

والمشكلة في مشهد اليوم أن الرئيس لا يستطيع إجراء انتخابات تشريعية جديدة قبل يوليو المقبل 2025؛ لأنه لا يحق له أن يحل مجلس الأمة قبل مرور سنة على آخر حلٍّ له.

مشكلة المجلس الحالي – الذي تشكَّل بعد انتخابات جرت في أول الصيف الماضي 2024- أنه لا توجد أغلبية لأي من التحالفات الممثلة فيه، وأن تحالفين من الثلاثة انتُخبا على أرضية برنامج اقتصادي مجنون! يتطلب تنفيذه زيادة مجنونة في الإنفاق؛ أي يقتضي استدانة كثيفة، في حين أن عجز الميزانية تخطى حدود الأمان في السنوات الماضية.

وفي حين أن الوضع الحالي للدين العام شديد الخطورة، ويثير قلق البورصات والأسواق. وإضافة إلى هذا يطالب، هذان التحالفان بإلغاء قانون سن التقاعد الذي مررته حكومة سابقة وتخفيض سن التقاعد على الرغم من خطورة هذا ماليًا.

أول حكومة تشكلت بعد انتخابات الصيف الماضي، برئاسة ميشيل بارنييه، حاولت أن تتعامل مع الأزمة وحضرت ميزانية تحاول موازنة ضغط الإنفاق، ورفع الضرائب، وحاولت تقديم تنازلات لحزب التجمع القومي اليميني في عدد من الملفات؛ لكي لا يسحب الثقة، ولكن التجمع الوطني انضم على الرغم من هذا إلى ائتلاف اليسار، وأسقطا معًا الحكومة، وساد الارتباك في الأسواق والقلق في أروقة العواصم الأوروبية.

التحالف – الأدق أن نقول المجموعة - الذي يؤيد سياسات اقتصادية رشيدة مكون من أربعة أحزاب، منهم ثلاثة كانوا في الماضي من مؤيدي الرئيس، إلا أن هناك الآن أزمة ثقة حادة فيه، وغضب تجاهه؛ لأنه حل المجلس دون سبب واضح في نهاية الربيع الماضي 2024.

وعلى أي حال، فكر الرئيس في تعيين أحد المقربين له، ولكن فرانسوا بايرو رئيس أحد أحزاب المجموعة هدد بالانسحاب إن لم يسمح له بتشكيل الحكومة، واضطر الرئيس إلى الرضوخ، في علامة ضعف جديدة.

بايرو اختار نهجًا مختلفًا عن نهج سلفه، ضم عددًا من الأقطاب والرموز الذين يعرفهم الرأي العام، في حين أن بارنييه اعتمد على شخصيات من الصف الثاني لا أطماع لها ولا أوهام، وفهم بسرعة أنه لن يستطيع تمرير أي ميزانية تقشفية، وبذل مجهودا كُلِّل بالنجاح؛ لإقناع الحزب الاشتراكي أحد مكونات التحالف اليساري- ألا يضم صوته لأصوات المكونات الأخرى عند التصويت على سحب الثقة، فمن ناحية عين وزيرًا للمالية محسوبا على اليسار، وصرف النظر عن هدف تخفيض كبير في العجز، ووعد بفتح نقاش حول قانون سن التقاعد. إلخ، كما وعد بفتح نقاش حول الهوية الفرنسية (هذا الأمر تنازل لليمين).

مفتاحان، أو ثلاثة تساعد على فهم حسابات الفاعلين؛ حزب فرنسا العصية، أهم حزب في تحالف اليسار يريد أزمة حكم ليدفع الرئيس ماكرون إلى الاستقالة، ولتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة. هو لديه مرشح وأقصى اليمين لديه مشرحة وباقي الأحزاب غير مستعدين والمنافسة والمقالب بين كوادرها لنيل ترشيح للرئاسة شديدة.

لو أجريت الانتخابات اليوم؛ ستصل كل من مارين لوبان وميلانشون زعيم فرنسا العصية إلى الجولة الثانية من الانتخابات، في هزيمة منكرة للأحزاب التقليدية، من ناحيتهم، لم ينجح نواب الحزب الاشتراكي في الانتخابات التشريعية إلا بفضل أصوات ناخبي فرنسا العصية؛ ولذلك مالوا في السنوات الماضية إلى الخضوع لهذا الحزب.

ولكن استطلاعات الرأي تقول حاليًا، إنهم قادرون على الاحتفاظ بمقاعدهم دون حاجة إلى دعم فرنسا العصية، ولكنهم كانوا في حاجة إلى تنازل كبير من بايرو ليبرروا أمام الشارع اليساري تخليهم عن باقي أحزاب الحلف.

وأخيرًا، مارين لوبان - زعيمة اليمين المتطرف - لم تحدد بعد فيما يبدو لو هي تريد انتخابات رئاسية مبكرة أم لا – هناك من يقول إنها تفضل أن يتولى حزبها رئاسة الحكومة مع دعم بعض أحزاب الوسط مما يسمح لها بنسبة أي فشل لضرورات مراعاة الآخرين.

وفي انتظار الأزمة التالية!..

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز