البث المباشر الراديو 9090
الدكتور توفيق أكليمندوس
في تقرير حديث قال رئيس وزراء إيطاليا السابق، ماريو دراغي، إن "احتضارا بطيئا" بات سيناريو محتملا لمسار القارة الأوروبية، وكان يتناول التحديات التي تواجهها الصناعة الأوروبية. وهي ليست التحديات الوحيدة التي يجب التعامل معها، فأزمة أوروبا شاملة، عميقة، متجذرة.

هذه الأزمة ليست وليدة اللحظة، ولكن أحداث العقد فاقمتها، وتسببت في تسارع وتيرة الأفول. قد يكون هذا بركة – إجبار الدول والشعوب علي التخلي عن خطاب الإنكار والغفلة والتفاهة، وتتيح الفرص لتمرير إصلاحات مؤلمة، وقد يكون نقمة – صدمات بالغة العنف لكائنات تعاني من مرض عضال. شخصيا أميل إلي الرأي الثاني متمنيا راجيا أن أكون مخطئا.

تأمل مسلسل الصدمات، الأزمة العالمية الكبرى سنة ٢٠٠٨، أزمة الديون اليونانية التي تلتها، أزمة المهاجرين سنة ٢٠١٥، أزمة الأمن والعمليات الإرهابية ما بين ٢٠٠٥ و٢٠١٥ تقريبا، جائحة الكوفيد سنوات ٢٠٢٠ و٢٠٢١ وتكلفة وقف الإنتاج لأشهر طويلة والبحث عن المصل وتوزيعه، قيام روسيا بغزو أوكرانيا وهو غزو أجبر أغلب دول أوروبا علي زيادة ميزانيات الأمن والدفاع، وعلي تخصيص أموال كثيرة للدفاع عن البلد المنكوبة وتمويل اقتصادها وانفاقها الحربي، وعلي مواجهة ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الغذائية، وعلي زيادة الإنفاق علي ما يسمح باستقبال المهاجرين – الملايين من الأوكرانيين تركوا بلادهم ولا يمكن لومهم علي هذا – كيف تواجه الشتاء الأوكراني دون كهرباء؟، وبعد هذا جاءت حرب غزة وتأثيرها علي السلام الاجتماعي الداخلي وعلي أمن النقل البحري وبالتالي علي كلفته، ومن المتوقع ارتفاع أعداد المهاجرين القادمين من المنطقة، وأخيرا وليس آخرا وصول الرئيس ترامب إلي سدة الحكم في واشنطن، رئيس يكره الأوروبيين، ويريد شن حرب تجارية، وإجبارهم علي رفع متسارع لأنفاقهم الدفاعي، وتركهم يتحملون العبء الأوكراني بمفردهم، ويبدو معجبا بأشد أعداء أوروبا بأسا - الرئيس بوتين. وإلي جانب هذا كله يتوقع الجميع أن أوروبا ستواجه كوارث بيئية في السنوات المقبلة، سواء نجحت في تفعيل مشروع التحول إلي اقتصاد بيئي أم فشلت كما هو متوقع.

أداء النخب السياسية الأوروبية سيء منذ بداية الألفية علي أحسن تقدير، وإن كنت أميل إلي إرجاع بداية التدهور إلي تسعينات القرن الماضي، وعلي كل حال بلغ التدهور في الأداء ذروته حاليا، ويكفي أن نقول أن ألمانيا وفرنسا بدون قيادة أو بقيادة ضعيفة لا تتمتع بأغلبية حاليا، أي أن هناك أزمة سياسية وربما أزمة حكم.

أميل إلي اعتبار أوروبا امرأة مسنة، مريضة، ثرية جدا، محاطة بلفيف من الفرق، فرق البلطجية الجشعين والمتوحشين، وفرق الشباب العفي الفقير بعضه طامع في ثروتها وأغلبه يبحث عن مستقبل أفضل والهارب من صعوبات إلي ما يراه جنة أو مزيج من الجنة وجهنم، هذه المسنة اعتمدت علي بلطجي لحمايتها، وفوجئت به يمل منها، لأسباب وجيهة وإن أنكرت هذا، وهو في طريقه إلي الانقلاب عليها.

هذا التشبيه دقيق إلي حد كبير، ولكنه يغفل جانبا هاما من القصة، بعض أجزاء جسم المريضة سليمة وعفية، عقلها الحكيم يعمل رغم الظروف، ورغم إصرار بعض مؤثر من أعضاء الجسم علي رفض حكمه وسيادته. ولديها عدد من القدرات يجب تنشيطها، وهذا التنشيط يتطلب عمليات جراحية شديدة الحساسية، قد تنجح وقد تقتل المريض.

أقوم في مقالات مقبلة بعرض لن يكون شاملا، لعجز المرء عن الالمام بكل جوانب القضايا، ولكنني سأبذل أقصي جهد لتوضيح الصورة.

أبدأ هنا بمعلومة يعرفها الكل، بعد الحرب العالمية الثانية وطوال الحرب الباردة علي الأقل، كان البترول العامود الفقري للاقتصاد العالمي، وكانت هناك سبع شركلت كبري يتحكمن في اقتصادياته، أربعة منهن أوروبية وثلاثة أمريكية. اليوم المعلومات وقواعد المعلومات هن العامود الفقري للاقتصاد العالمي، أغلب الشركات العملاقة أمريكية – فيسبوك وجوجل وآبل وأمازون ونتفليكس وغيرها، وبعضها صيني – تيك توك مثلا، ولا توجد شركة أوروبية واحدة.

ما زال الأوروبيون قادرين علي الابتكار والمساهمة في التقدم العلمي وقفزاته، ولكنهم باتوا عاجزين عن تحويل مهاراتهم العلمية إلي مشروعات اقتصادية وصناعية كبرى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز