الدكتور توفيق أكليمندوس
وفي المقابل كانت علاقات إنجيلا ميركل والرؤساء الفرنسيين المتعاقبين – شيراك وساركوزي وهولاند وماكرون – إما فاترة أو سيئة.
كانت جماعة السياسة الخارجية الألمانية تقول همسا أن ألمانيا بوصفها أقوي دولة في أوروبا ونظرا لموقعها الجغرافي في وسط القارة كانت تحاول موازنة علاقاتها مع كل من الشرق والغرب الأوروبيين، مع فرنسا وبولندا، وأن فرنسا لم تتفهم هذا، وتصورت أن هذا ينتقص من أهميتها كشريك رئيسي له وزن وأفضال، ودون التشكيك في هذا، تجب تكملة هذا التشخيص بذكر عوامل شخصية، ميركل من ألمانيا الشرقية، تهتم بأوروبا الشرقية وروسيا أكثر من اهتمامها بفرنسا، وكانت تجد صعوبات في تحمل "ذكورية" بعض القادة الفرنسيين، وهناك مشكلات تبدو تافهة ولكنها تؤثر على النفسية، الفارق بين الأبهة الفرنسية والميل الألماني إلي الاعتدال فيما يخص المظهر.
وهناك اختلافات جذرية في الثقافة السياسية، إلى جانب ما ذكرناه في المقال السابق حول سلطات الرئيس وسلطات المستشار، وحول الدولة المركزية والدولة الفيدرالية، نضيف أن الثقافة السياسية الألمانية تركز على الاقتصاد وتجيد فهم مقتضياته ورسم استراتيجية اقتصادية، لا أقصد أنها لا ترتكب أخطاء بعضها جسيم، ما أقصده أنها شديدة الاهتمام به، مع ميل قوي إلي حرص مبالغ فيه على الرشادة المالية وعلى ضرورة "عملة قوية" - هذا مثال جيد لأهمية الذاكرة التاريخية، الأزمة الاقتصادية الكبرى في نهاية العشرينيات من القرن الماضي كان السبب المباشر لتمكين النازية البغيضة.
ومن الأخطاء الاقتصادية المعاصرة الواضحة التسرع في قرار الاستغناء عن الطاقة النووية المدنية، والاعتماد الكلي على الغاز الروسي رغم وضوح نوايا الكرملين منذ 2012، وعدم تجديد البنية التحتية والتأخر النسبي في الرقمنة.
وعلى العموم تري النخب الألمانية أن فرنسا ارتكبت كما هائلا من الأخطاء في السياسات الاقتصادية، هي ألمانيا استفادت من بعضها، واستغلت غفلة بعض القيادات الفرنسية لإضعاف فرنسا وتقوية المركز الألماني، ولكن تدهور الوضع المالي الفرنسي، ومحاولات فرنسا الدائمة لحث ألمانيا على المشاركة في دفع الفواتير الفرنسية باسم تقوية التضامن الأوروبي أمران يثيران الاستياء والقلق الألمانيين، الذين يستغربون من صعوبة الإصلاحات في فرنسا، ومن امتعاض أغلبية كبيرة من الفرنسيين من أي رفع لسن التقاعد أو لزيادة ساعات العمل الأسبوعية.
وفي المقابل، يقول المتخصصون الفرنسيون في الشأن الألماني أن ألمانيا لا تنفق لا على الطفولة لا على البنية التحتية لا على الأمن والدفاع ولا على الرقمنة، وبالتالي تجد من السهل الكلام على الرشادة المالية وإلقاء المحاضرات والعظات على الكل، بعد دمار الحرب العالمية الثانية قررت كل من ألمانيا واليابان عدم الإنفاق على الطفولة والتركيز على التنمية وعلى إعادة التعمير، الإنفاق على الطفولة هو إنفاق على التعليم وعلى منظومة الصحة ومنظومة ترفيه.
والصين اتخذت لاحقا قرارا شبيها، وأثبتت التجربة أن هذا الخيار يجلب مكاسب سريعة ثم يتسبب على المدي الطويل في صداع وضعف بالغ إذ ترتفع نسبة المسنين في الشعب.
بعد انهيار الشيوعية تم إهمال الجيش الألماني، ولا أذيع سرا إن قلت أن المعارف والخبرات والمهارات العملياتية لا تكتسب بسهولة، بل تحتاج إلي جهود كبيرة متواصلة طوال سنوات طويلة، وفي المقابل من السهل جدا خسارة هذه المعارف والخبرات والمهارات.
وهناك أيضا غياب لفهم أبجديات الثقافات الأمنية والاستراتيجية، منذ شهور تحدث قادة الجيش الألماني عن خطط بالغة الدقة في مكالمة عبر تطبيق سكايب، الغير مؤمن، وكان أحدهم في فندق في أسيا يستخدم إنترنت الفندق الغير مؤمن أيضا، ونجحت المخابرات الروسية في التنصت وأذاعت محتوي المكالمة.
يقول بعض العسكريين الفرنسيين أن لقاءا عسكريا ثلاثيا فرنسي/ألماني/ بولندي عقد، قبل بداية حرب أوكرانيا بأشهر، في محاولة لتوحيد أو على الأقل التوفيق بين الثقافات الاستراتيجية، ولم يسفر اللقاء عن شيء يذكر، بولندا قالت أن التهديد الرئيس للقارة روسي، وفرنسا عبرت عن قلقها من الموقف في جنوب وشرق المتوسط، والساحل والصحراء، المصدرين للهجرة والإرهاب، والذي يعانون من عدم استقرار الأنظمة السياسية ومن ظاهرة الدول الفاشلة، أما ألمانيا فألقت مواعظ في الأخلاق وحب السلام وقالت أن التهديد الرئيس هو التغيير المناخي،
فرنسا تري أن امتلاكها للسلاح النووي ولمقعد دائم في الأمم المتحدة وجيش شديد المهارة (وإن كان صغيرا) يمنح لها وزنا مساويا لوزن ألمانيا أو على الأقل يعوض عن تراجعها الاقتصادي، وألمانيا تري أن وزنها الاقتصادي وعمق علاقاتها مع شرق وشمال أوروبا يعنيان أنها زعيمة أوروبا بلا منازع.