البث المباشر الراديو 9090
الدكتور توفيق أكليمندوس
قرأت في جريدة أمريكية مقالة رأي تقول إن السنة التي أوشكت على الانتهاء كانت سيئة للغاية بالنسبة للأوروبيين، وإن السنة المقبلة ستكون أسوأ.

هذا التشخيص يعكس بدقة "الحالة المعنوية" للمراقبين والخبراء، وهو مبني على أرقام ومشاهدات وتحليلات لا يمكن التشكيك في مغذاها الموضوعي، ولكن المعجزات تحصل أحيانا، ويجب ألا تمنعنا قتامة الصورة العامة عن رؤية بعض النقاط المضيئة، في حد ذاتها هذه النقاط لا تكفي للدفع إلي التفاؤل، ما يحث على التروي قبل توقع مزيد من التدهور، إذ أن أوروبا عرفت أوضاعا أسوأ خلال القرن الماضي، وخرجت منها أقوى.


ولكن الاحتمال الأقوى هو استمرار التدهور والتراجع، فالإصلاح الجذري دائما صعب، ويكون أصعب وإن تأخر تأخيرا أدي إلى تفاقم أعراض المرض، وإن أحيط من يحتاج إليه بفرقاء لا يتمنون له الخير، وإن اتسم أداء القيادات بالضعف.


لا أعرف من أين أبدأ، نظرا لعدد وعمق الأزمات، قد يكون من الأسهل البدء بالنقاط الإيجابية لأن حصرها سهل، وهذه النقاط هي أولا مستوى الطبقات الوسطي الأوروبية، المهني والفكري والثقافي والنفسي، وتتميز هذه الطبقات بأهمية دور النساء فيها وفي سوق العمل، وبانفتاح على العالم انفتاحا له حدود وسقف ولكنه في تحسن، وثانيا أداء دولة الرفاة، قد يكون أداء منظومات التعليم والصحة وإعادة التوزيع في تراجع، ولكنه ما زال أفضل من غيره بكثير، وثالثا القارة ثرية وتتمتع بمؤسسات فعالة، وبمعارف تسمح على الأقل بتشخيص دقيق للمشاكل، وإن اختلف الفاعلون حول تعريف العلاج الأمثل والعلاج الممكن.


الأزمات الهيكلية عميقة ومعروفة، اقتصاديا القارة عاجزة عن اللحاق بالولايات المتحدة والصين، وتأخرها عنهما يزداد يوم بعد يوم، الأرقام حقيقة مذهلة ومخيفة، وهرم أوروبا السكاني مقلوب وتراجع معدلات الإنجاب انتحار بطئ، لا تعرف القارة كيف توقف سيل المهاجرين ولا تنجح في إدماجهم ولا في استغلال الوجه الإيجابي للظاهرة ولا في الحد من آثارها السلبية، ضعفها العسكري يثير مطامع الكثيرين ويجبرها على دفع ما يشبه الإتاوات.

وهناك أزمة ثقة بالغة الحدة بين الحكام والمحكومين، أزمة قديمة في بعض الدول مثل فرنسا، و"مستجدة" في بعض آخر مثل ألمانيا، لعدد كبير من الدول المناوئة للقارة قدرة هائلة على التأثير على الجبهة الداخلية لبعض الدول بوسائل شتى منها شراء الولاءات.


أداء القيادات يستحق وقفة لا تكتفي بالقدح والذم، يمكن القول أن وعي هذه القيادات تشكل في مرحلة تاريخية تختلف تماما عن المرحلة الحالية، وتجد هذه النخب صعوبة في التأقلم والمستجدات، ويمكن عذرها بأن القضايا الاقتصادية والأمنية والسياسية وغيرها باتت شديدة التعقيد، فهم تفاصيل ملف أمر صعب، فهم تأثير أي ملف على الملفات الأخرى أصعب، وفهم "الصورة العامة" أمر مستحيل.

وفي عدد كبير من القضايا يتطلب التعامل الفوري مع المشكلات قرارات ضرورية حاليا، ولكن أثرها على المدى الطويل سلبي، وإضافة إلي كل هذا، فإن المستجدات في كيفية وسرعة بث الأخبار – الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، القنوات المتلفزة الإخبارية، قدرات التلفونات المحمولة على التصوير وعلى نقل الصور- هذه المستجدات تجبر السلطات على التصرف السريع، وما أكثر التصريحات والقرارات المتعجلة، ورغم الإقرار بكل هذا، يبقي أن كم الأخطاء التي لا يمكن تبريرها مذهل، لم يجبر أحد الرئيس الفرنسي على تصريحات كرهت الناس فيه من عينة "عندما تذهب إلى محطة قطر تقابل ناس هم صفر ولا يساوون أي شيء".


الكثير سيتوقف على قدرة ألمانيا وفرنسا على التعامل مع التحديات، في الدولتين القيادات مشلولة وستظل كذلك لعدة أشهر، مما لا يدعو إلى التفاؤل.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز