الدكتور توفيق أكليمندوس
العلاقات بين الشعبين ممتازة والمصالحة التي أقرها الزعيمان الراحلان شارل ديغول وكونراد أديناور باتت واقعا ملموسا وثابتا وعميقا، ويمكن القول أن هذه العلاقات أكثر سلاسة من العلاقات بين الفرنسيين والبريطانيين.
ولكن العلاقات بين أجهزة الدولتين، وبين النخب السياسية والاقتصادية سيئة، والتوتر لم يعد مكتوما كما كان قبل الجائحة
مرت العلاقات بمراحل مختلفة، ولكن لحظة الوحدة الألمانية هي لحظة بداية مشكلات اليوم، من ناحية أعطى الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران الانطباع آنذاك بأنه غير متحمس لها ولا يريدها، وهناك من المؤرخين من يري أن هذا الانطباع خاطئ ولكنه سائد، واختلف الطرفان بشدة في إدارة ملف حرب البوسنة في التسعينيات.
أراد الطرفان تعميق الوحدة الأوروبية وكان لكل منهما حساباته الخاصة، يلخصها حوار بين الرئيس الفرنسي ميتران ورئيسة الوزراء البريطانية مارجاريت تاتشر، قال الأول إن تعميق الوحدة يوطد ربط ألمانيا بأوروبا، وردت الثانية قائلة: كلا هذا التعميق يوطد ربط أوروبا بألمانيا.
فرنسا كانت تخشى أن توثق ألمانيا علاقاتها مع روسيا بعد قبول الأخيرة توحيد الألمانيتين، وأن يتم هذا على حساب باقي دول أوروبا الغربية، وتصورت أن إنشاء عملة واحدة "اليورو" وتعميق الوحدة يحصن أوروبا ضد هذا الخطر، والمملكة المتحدة فهمت أن هذا التعميق سيمكن الهيمنة الألمانية على القارة.
ما يمكن قوله، إن ألمانيا نجحت في فرض شروطها فيما يخص العملة الموحدة، وأن هذه الشروط دعمت اقتصادها وأضعفت اقتصاد فرنسا وغيرها، ومن ناحية أخرى أجادت ألمانيا توظيف الاتحاد للمساهمة في تمويل الوحدة الألمانية وإعادة هيكلة اقتصاديات دول أوروبا الشرقية وتحديث بنيتها التحتية بما سمح لألمانيا بالاستثمار المكثف فيها، يتم تصنيع نسبة كبيرة من مكونات المنتج الألماني – السيارات مثلا- في هذه الدول والتجميع يتم في ألمانيا.
الوحدة الألمانية أعطت لألمانيا وزنا اقتصاديا أثر بقوة على موازين القوة بينها وفرنسا، وتسببت الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها حكومات فرنسا فيما يخص السياسات الاقتصادية في زيادة اختلال الميزان، الفارق بين الناتج القومي الإجمالي للبلدين فاق الترليون يورو سنة 2022.
قيام الاتحاد الأوروبي بقبول أعضاء جدد قوي أيضا مركز ألمانيا نظرا لنفوذها في أوروبا الشرقية، وقبل خروج المملكة المتحدة من الاتحاد كانت برلين ولندن تميلان إلى التنسيق معا لتحجيم وزن باريس في مؤسسات الاتحاد وفي عملية اتخاذ القرار الأوروبي.
يلاحظ أيضا تأثير الجغرافيا، قبل انهيار المعسكر الشيوعي كانت باريس مركز أوروبا، بعد توحيد ألمانيا وانضمام دول أوروبا الشرقية إلى المعسكر الغربي وإلى الاتحاد بات مركز القارة برلين، وبرلين قريبة جدا من الحدود الألمانية البولندية على بعد 60 كيلومتر تقريبا، وبعيدة عن الحدود الألمانية الفرنسية.
الأنظمة السياسية مختلفة، فرنسا دولة مركزية ورئيسها يتمتع بسلطات واسعة في مجالي السياسة الخارجية والدفاع، في حين أن ألمانيا دولة فيدرالية، ودستورها حرص على تفتيت السلطة لمنع تكرار الكارثة النازية، السلطة التنفيذية المركزية سلطتها محدودة، وتفاقم الحاجة إلى حكومات ائتلافية من حدة المشكلة، فالمستشار ووزير الدفاع ووزير الخارجية ليسوا من نفس الحزب.
الثقافة السياسية الألمانية تحبذ الحوار والتوصل إلى حلول وسطي، وتحبذ الحلول الإصلاحية، ولكن عملية اتخاذ القرار شديدة البطء والتعقيد، في فرنسا القرار سريع، ولكن الحوار صعب والتوصل إلى حلول وسطية أصعب بسبب الاستقطاب والتباين الشديد بين التيارات الفكرية والتراث السلطوي والثوري.
الثقافات الاستراتيجية للبلدين شديدة الاختلاف.. ونعرض لهذا في مقال لاحق.