الدكتور توفيق أكليمندوس
تحالف اليسار، مكون من أحزاب توجهاتها مُختلفة، إن لم تكن مُتعارضة مُتناقضة، هي حزب "فرنسا التي لا تخضع"، والاشتراكيين، والخضر، والشيوعيين، وحزب تروتسكي، هذه الأحزاب نجحت في إقامة تحالف انتخابي، وفي صياغة برنامج حكم مُشترك، واتفقت حول ترشيح السيدة لوسي كاستيه، لرئاسة الوزارة.
لكن الرئيس ماكرون، رفض هذا الترشيح، وهذا حق دستوري له، بينما يرى حزب "فرنسا التي لا تخضع"، أنه أساء استخدام هذا الحق، ويتكلم عن ضرورة إقالة الرئيس، وهذا كلام فارغ.
المُشكلة، أن برنامج حكم تحالف اليسار غير واقعي قائم على زيادة كبيرة في الإنفاق الحكومي دون تمويل، وأن اليسار لا يملك أغلبية مُطلقة في البرلمان، من الطبيعي في مثل هذه الأحوال أن اليسار يبدأ مفاوضات مع القوي الأخرى، ولكن هذا يقتضي تقديم تنازلات، وحزب فرنسا التي لا تخضع يقول أنه يريد أن يطبق البرنامج كاملًا كما هو، لأن هذا البرنامج وفقًا له هو "سبب نجاح التحالف"، وأن التنازل عنه هو خيانة لإرادة الناخبين وعودة إلى سياسات رفضوها.
لفهم الصورة العامة علينا أن نعرف بعض الأمور، منها أن وضع فرنسا المالي حرج نسبيًا، مع ارتفاع الديون وخدمتها، واستمرار وجود عجز كبير في ميزانية الدولة، ومنها أن برنامج كتلتين من الثلاث الكبار يبدو مجنونا، ومنها أن حزب فرنسا التي لا تخضع يريد دفع الرئيس إلي الاستقالة مما يؤدي إلي تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، فهو يقدر أن إجرائها في هذا التوقيت سيعني خروج أحزاب الوسط – المؤيدة للرئيس- من الجولة الأولي، لتنحصر المنافسة في الجولة الثانية بين اليسار وحزب لوبن.
من ناحيته الرئيس يريد أن يضمن رشادة السياسة المالية، وتوسيع قاعدة تحالفه في مجلس الأمة، ولهذا حاول مرارا البحث عن صيغة تضمن تأييد اليمين الجمهوري، أو عدد من الاشتراكيين، لحكومة وسطية إما برئاسة أحد رجاله، أو بتواجد لهم في عدد من الوزارات الهامة. المشكلة هي... هل لهذه القوي السياسية مصلحة في إعطاء قبلة الحياة لرئيس ولسياسات يرفضها من انتخبوها؟ هل من مصلحتها المشاركة في اتخاذ قرارات ضرورية ولكنها مرفوضة جماهيريا؟ الرد لا واضحة، الكل يفكر في الانتخابات الرئاسية المقبلة سواء أجريت في ميعادها أو قبله،
من الصعب قراءة استراتيجية الرئيس، هو يكثر من المقابلات والمشاورات وليس واضحا أن كان هدفها كسب الوقت، أم البحث عن حل، أو منع أي حل وتعميق الاستقطاب ليكون هو الحكم والحاكم، كل يوم يطرح اسم جديد لرئاسة الحكومة، وهم إما من المجتمع المدني أو من كبار الموظفين التكنوقراط (الغير مسيسين) أو من الساسة الذين لا يمسكون بزمام الأمور في حزبهم، علي فرض أنهم ينتمون إلي حزب.
يبدو أن الرئيس فهم أن عليه قبول حكومة لا يرأسها أحد رجاله، ولكنه ما زال يدرس عدة خيارات، وزارة غير سياسية وهذا يسمح له بالاستمرار في الانفراد بالقرارات الهامة، أو حكومة قد تتبني سياسات مختلفة عن سياساته دون أن تنتهج سياسة مالية متهورة، وحكومة لن يسقطها البرلمان بل يترك لها فرصة علي الأقل في الأشهر الأولي..
..وما زال الوضع المالي الفرنسي يتدهور.