البث المباشر الراديو 9090
الدكتور توفيق أكليمندوس
قابلت هذا الأسبوع كادرًا مهمًا من كوادر منظومة التصنيع الفرنسية، ولا أعلم أي شيء عن سلوكه كناخب ـ في فرنسا لا تسأل الناس عنه ـ ولكن ثقافته وسلوكه يوحيان بأنه يميل إلي اليمين الجمهوري.

قلت له إن مُشكلة فرنسا في أن ثُلثي الناخبين، وربما أكثر أعطوا أصواتهم لأحزاب لها برامج اقتصادية مخبولة، غير واقعية، وتوسع من الإنفاق الحكومي في بلاد تُعاني من أزمة مالية حادة، وفوجئت برده: "الناس معذورة، تأمل حصاد حكم من يصفون أنفسهم بالعقلاء، وضع مالي بالغ الحرج، وتدهور في القدرة الشرائية لعموم الفرنسيين، وتدهور حاد في الأمن الداخلي، وعجز تام عن ضبط الهجرة، وتدهور حاد في منظومتي التعليم والصحة، وأداء سياسي صبياني".

لم يُفاجئني محتوى الرد، فأنا دائم التواصل مع الأصدقاء، والزملاء الفرنسيين، ما فاجئني أن شخصًا يُفترض فيه أنه ميسور، ومُنتمٍ للنُخبة، ولفئة ليست بعيدة عن دوائر اتخاذ القرار يتقدم بهذا التشخيص بهذا الوضوح!

"على الماشي" أقول إنني أُريد أن أطرح سؤالًا، وأُخصص له بعض الوقت، هل الطفولية السياسية تلغي أي ذكاء في مجال السياسية؟! بمعنى.. قد تكون ذكيًا ومُجيدًا في تخصصك، ولكنك "نفسيًا" طفل أو مُراهق ـ مع الاعتذار للمراهقين والأطفال أو على الأقل لا تشعر بالمسئولية، ولا تحاول الالتزام بمُقتضيات الصالح العام، كيف لك أن تُوفَّق في إدارة أحوال بلدك؟!

هل أنا ظالم؟!.. رُبما، ربما تصعب إدارة المرحلة وتحدياتها بالغة الصعوبة، لاسيما بالنسبة لنُخَب آمنت بنهاية التاريخ، رُبما المشكلة أن وضعًا نشأ لا يملك فيه أي فاعل خيارًا جيدًا، والكل مُضطر فيه أن "يُساهم" في تدهور الوضع، علينا غالبًا أن ندمج العوامل الثلاثة "طفولة سياسية، ووضع صعب، وعدم وجود خيارات جيدة أمام أي فريق"، إن أردنا شرح الأزمة الفرنسية.

أبدأ هنا بالرئيس وأنصاره وحلفائه واليمين الجمهوري، الرئيس شخص يعمل لساعات طويلة، له ذاكرة حديدية، ذهنه مطبخ أفكار لا يتوقف عن العمل، وأفكاره ليست دائمًا سيئة، ولكنها مُتقلبة، وله خلفية فلسفية معقولة، ورُبما مُمتازة، وفهم معقول، أو عميق لقضايا الاقتصاد، باختصار له خصال نادرة، ولكن عيوبه أفسدت كل شيء.

بداية أقول ـ عن خبرة شخصية - إن الإلمام بكل البيانات والمعلومات المهمة في ملف ما لا يكفي لفهمه وفهم منطقة، الفرد محتاج لمعرفة وفهم كيفية الربط بين البيانات بعضها ببعض، أتكلم عن شخصي، قد أعرف كل البيانات والمعلومات المُتعلقة بالمجر علي سبيل المثال، ولكنني لست خبيرًا في الشؤون المجرية، لا أتكلم اللغة ولا أعرف كادر من كوادر الدولة، أو القطاع الخاص، ولم أتطلع علي الأعمال الأدبية المهمة، ولا أعرف تفاصيل قراءة المجريين لتاريخهم، في المُقابل في دفتر تليفوناتي أسماء الزملاء الذين قد يساعدوني علي الفهم والتعمق إن احتجت إليه.

المشكلة، أن ذاكرة الرئيس الحديدية أعطت له انطباعًا أنه أذكى من الجميع وأنه "يفهم" في كل المجالات، ولم يكن هذا حقيقيًا، ففي عدد من الملفات "السياسة الخارجية والأمن الداخلي والقضاء والتعليم" لا يوحي أداء الرئيس المُتخبط بوجود قناعات مُحددة، ولا تصور واضح، ولا منهج عمل صارم، لا أقول إن أداءه كان سيئًا دائمًا، فهو حقق بعض النجاحات المهمة، ولكنني أقول إن كم الأخطاء التي ارتُكبت مُذهل، وكثير منها لا يمكن تفسيره إلا بمزيج من التأرجح بين أيديولوجيات مُتناقضة، ورفض الاهتداء بمعارف أجهزة الدولة المُختصة، وعدم فهم عادات وتصورات الفرنسيين، ولا غيرهم.

تولى الرئيس المسؤولية عام 2017، حاملًا لتصور واضح عن الإصلاح الاقتصادي. لم ينتبه الكثيرون إلى ركن مهم من أركانه؛ وهو انتهاج سياسة ضريبية تحث الفرنسيين على الاستثمار في شركات التكنولوجيات الجديدة، وفي الاقتصاد البيئي، وتحاول التقليل من حدة ميلهم إلي الاستثمار في القطاع العقاري وفي ملكية البيوت والشقق والأراضي.

وكان الرئيس، متعجلًا، كانت وجهته كوجهة سلفه الرئيس هولاند، لكن الأخير كان مُدركًا لعمق الاحتقان الفرنسي، ولعدم ارتياح حزبه لهذا التوجه؛ ولذلك كان بطيئًا للغاية، قرر الرئيس ماكرون أن الإسراع واجب، وقطع شوطًا مُحترمًا في مشوار الإصلاح، ولكن الوضع انفجر "في وجهه" عام 2018 مع انتفاضة السترات الصفراء، ومن أسباب هذا الانفجار عجز الفريق الحاكم عن قراءة اتجاهات الرأي العام، وعجز الرئيس عن ضبط تصريحاته الارتجالية.

يُتبع..

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز