د. سهى علي رجب
خلال الأيام الأخيرة، أثار منشور متداول على صفحة أحد قدامى الكتّاب الصحفيين جدلا واسعا، بعدما تناول بالسخرية والتشويه اثنين من أكبر رموز مصر في العصر الحديث، الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، والسيدة أم كلثوم.. وبين مؤيد ومعارض، يبقى السؤال الأهم، إلى أين يقودنا تحويل رموز الوطن إلى أهداف دائمة للتجريح؟
ليس المقصود هنا أن نجعل من الشخصيات التاريخية مقدسات فوق النقاش، فالتاريخ بطبيعته قابل للدراسة والمراجعة، والسياسة مجال للاختلاف، والفن يخضع للنقد والتقييم.. لكن هناك فارقا شاسعا بين النقد العلمي الرصين، وبين التشويه الذي يتعمد الانتقاص من القيمة الإنسانية والوطنية لأصحاب التجارب الكبرى.
أم كلثوم ليست مجرد مطربة عظيمة.. إنها جزء من الهوية الثقافية العربية، وصوت ارتبط بأفراح المصريين وأحزانهم، وحضورها تجاوز حدود الفن إلى الدبلوماسية الناعمة، فأصبحت واحدة من أهم أدوات القوة الثقافية المصرية في القرن العشرين، ولم يكن التفاف الملايين حول صوتها مصادفة، وإنما كان انعكاسًا لقيمة فنية استثنائية قلما تتكرر.
وجمال عبد الناصر، سواء اتفق معه البعض أو اختلفوا، يبقى أحد أكثر الشخصيات تأثيرا في التاريخ العربي الحديث.. يمكن أن تختلف حول سياساته الاقتصادية، أو تجربته الديمقراطية، أو نتائج بعض قراراته، لكن لا يمكن إنكار دوره في دعم حركات التحرر الوطني، وبناء الدولة المصرية الحديثة، وترسيخ مفهوم الاستقلال الوطني، والتاريخ المنصف لا يكتب بالأبيض والأسود، وإنما يوازن بين الإنجازات والإخفاقات.
المشكلة أن بعض الخطابات الجديدة لم تعد تبحث عن الحقيقة، وإنما عن الإثارة، فكلما كان الهجوم على رمز أكبر، كانت الضجة أوسع، والانتشار أسرع، والتفاعل على منصات التواصل أكثر كثافة.. وهكذا أصبحت الشهرة أحيانا تُصنع على أنقاض التاريخ، لا بإضافة إنجاز جديد إليه.
إن الأمم الواثقة من نفسها لا تخشى مراجعة تاريخها، لكنها أيضا لا تسمح بتحويل تلك المراجعة إلى حملة منظمة لهدم كل ما يمثل ذاكرتها الجمعية.. فحين تسقط الرموز من الوعي، يسهل إسقاط المعاني التي جسدتها (الانتماء، والكرامة، والإبداع، والريادة).
وليس من قبيل المصادفة أن الدول الكبرى تحتفي برموزها مهما اختلفت الأجيال حول بعض مواقفهم. فهي تدرك أن الرمز ليس شخصًا فقط، بل جزء من السردية الوطنية التي تمنح المجتمع تماسكه واستمراره.. أما المجتمعات التي تنشغل كل يوم بهدم أحد رموزها، فإنها تستيقظ بعد سنوات لتكتشف أنها فقدت مرجعياتها الجامعة.
إن الدفاع عن أم كلثوم، أو عن جمال عبد الناصر، لا يعني تبني كل ما قدماه أو تحصينهما من النقد، وإنما يعني الدفاع عن حق التاريخ في أن يُقرأ بإنصاف، وعن حق الأجيال الجديدة في أن تتعرف إلى رموزها من خلال الوقائع والوثائق، لا عبر منشورات عابرة أو حملات تشويه تبحث عن ضجيج اللحظة.
فالأمم الكبيرة لا تُقاس فقط بما تبنيه من جسور وطرق ومدن، وإنما أيضا بقدرتها على صيانة ذاكرتها، واحترام رموزها، والتفريق بين النقد المسؤول والهدم المجاني.. لأن من يفقد احترام تاريخه، يفقد تدريجيا ثقته في مستقبله.