إسلام الغزولى
وبداية من العصر الفرعونى الذى حظيت فيه المرأة بمكانة متميزة ودور مهم لم تحظ بها امرأة أخرى فى شتى المجتمعات والحضارات الإنسانية، وتشهد على ذلك آثار الحضارة المصرية مثل الملكة مريت ـ نيت التى تعد أول سيدة حكمت فى تاريخ البشرية، حيث حكمت الدولة المصرية حوالى 10 سنوات "2939 ـ 2929 ق.م، مرورًا بكليوبترا ونفرتيتى.
كما تظل الملكة حتشبسوت التى عاشت بين عامى 1479 و1458 ق.م أشهر ملكات مصر والعالم القديم، بل تفوق عظمتها جميع ملكات العصر الحديث أيضًا، وتحظى بمكانة خاصة نظرًا لكونها أول امرأة تمكنت من أن تصبح فرعونًا وتحكم الدولة المصرية القديمة بنجاح.
وقد شهد التاريخ المصرى الطويل فترات ازدهار وفترات انكسار لدور المرأة وخلال العقد الأخير، ورغم التغييرات السياسية الحادة التى شهدتها جمهورية مصر العربية بداية من العام 2011، وما صاحب ذلك من ظروف صعبة وأحداث ملتهبة، إلا أنه وكالمعتاد قامت المرأة المصرية العظيمة بدور مهم، وأكدت أنها السند الأهم للدولة المصرية قدمت الابن، والزوج والأب، والأخ فداءً للوطن.
يعود تاريخ نشأة النظارات فى مصر إلى عهد محمد على باشا الذى أسس الجهاز البيروقراطى خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، وأنشئت معه مجموعة من الإدارات التنفيذية أطلق عليها اسم الدواوين حتى عام 1837، حين صدر قانون السياستنامه الذى نظم الدواوين بشكل نهائى، وفى عام 1840، استخدم لقب ناظر للتعبير عن رئاسة الديوان، ومن نظام الدواوين نشأ النظام النظارى فى مصر فى عهد الخديو إسماعيل طبقاً للأمر العالى الصادر فى 28 أغسطس 1878، ومع إعلان الحماية البريطانية على مصر فى 19 ديسمبر 1914 تحول اسم مجلس النظار إلى مجلس الوزراء، للتأكيد على القطع النهائى للعلاقات التى كانت تربط الدولة العثمانية بالدولة المصرية.
الجميع يعلم علم اليقين مدى ما قدمه المهندس شريف إسماعيل رئيس مجلس الوزراء المصرى المكلف حاليًا بتسيير أعمال الحكومة مؤقتًا، بعد أن تقدم باستقالة الحكومة للرئيس عبدالفتاح السيسى بعد أداء اليمين الدستورية، تمهيدًا لتشكيل حكومة جديدة من جهود جبارة لبناء الدولة المصرية على جميع الأصعدة، والحق أن الرجل تحمل ما لا يمكن لآخرين كُثر تحمله منذ أن كلفه الرئيس عبدالفتاح السيسى بتشكيل الوزارة فى 12 سبتمبر 2015، حيث كان يشغل قبل تشكيله الوزارة منصب وزير البترول والثروة المعدنية ضمن وزارات الدكتور حازم الببلاوى، واستمر وزيرًا للبترول ضمن وزارات المهندس إبراهيم محلب الأولى والثانية.
دور وطنى مهم سيخلده التاريخ للمهندس شريف إسماعيل لإنصافه، وستدرك الأجيال فى المستقبل القريب ما قام به من عمل دؤوب وجاد.
وخلال التعديل الوزارى الأخير زاد تمثيل المرأة المصرية فى الحكومة ليصبح 6 وزيرات، وقال الرئيس عبدالفتاح السيسى مرارًا وتكرارًا، إن اعتماده على المرأة المصرية فى العمل التنفيذى غير مسبوق، ونسبة تمثيلها بالحكومة بلغ حوالى 20%، مشيرًا إلى تقلدها منصب المحافظ لأول مرة، وتحقيقها تمثيلا غير مسبوق فى البرلمان.
واليوم، فإننى أجد أن تولى المرأة المصرية منصب رئاسة مجلس الوزراء فى التشكيل الجديد لها هى فرصة ذهبية لا يمكن لأحد القيام باتخاذ مثل هذا القرار إلا الرئيس عبدالفتاح السيسى الذى يتملك من الرؤية والجرأة ما يمكنه من اتخاذ قرارات لم يستطع أى نظام سابق اتخاذها، ورغم أن تمثيل المرأة فى حكومات العصر الحديث، يُعد منخفضًا وبسيطًا فى معظم بلدان العالم، ومع ذلك، فإن هناك تزايدًا ملحوظًا فى انتخاب المرأة سياسيًّا لتتولى مناصب رؤساء الدول والحكومات، وحاليا فإن أكثر من 20 دولة فى العالم تتولى امرأة منصب رئيس الحكومة.
والواقع أن تصور حدوث هذا القرار لا يأتى من ناحية الشكل، بل هو تصور قام على قراءات للمشهد السياسى الذى شهد إفراز عدد ضخم من القادة السيدات اللاتى تجاوزن نجاح الرجال، بل إن بعضهن تفوق بمراحل وحلق بعيدًا، وحظين بتقدير واحترام المجتمع فى وسط بيئة عمل صعبة نعلمها جميعا.
بالنظر لتاريخ تولى النساء للمهام السياسية، سنجد أن أول امرأة فى العالم تتولى منصب رئيس "مؤقت" هى Sukhbaataryn Yanjmaa من منغوليا فى الفترة من 1953 حتى 1954، كما تولت سيريمافو باندارانايكامن سرى لانكا منصب رئيس الوزراء عام 1960، وتولت إيزابيل بيرون من الأرجنتين منصب رئيس غير مؤقت، لتصبح أول امراة تتولى هذا المنصب فى الفترة من 1974 حتى 1976، كما تعد أنفيجتيس فينبوجادوتير من أيسلندا أول امرأة فى العالم تنتخب كرئيس فى الفترة ما بين 1980 وحتى 1996، أما مارى مكاليسمن أيرلندا، فتعد أول امرأة تخلف امرأة أخرى مباشرة فى منصب رئيسة للدولة فى الفترة ما بين 1997 حتى 2011، ولا يمكن ألا نذكر هنا بينظير بوتو التى تولت رئاسة وزراء باكستان فى الفترة من 1988 حتى 1990 كأول امرأة تشغل منصب رئيس وزراء فى دولة ذات أغلبية مسلمة، والتى أعيد انتخابها مرة أخرى فى عام 1993.
إذًا فنحن لسنا فى وضع مختلف عن باقى دول العالم إذا توفرت فى المرشح للمنصب الكفاءة المطلوبة، بعيدًا عن الجنس والنوع وطبيعة المجتمع، حيث إن تلك القوالب نحن من يصيغها ونحن من يمتلك هدمها.