إيرينى ثابت
تقول الرسالة: "عزيزى سانتا. فقط أريد أن أكون سعيدا".. ويبدو من هذه الرسالة أن العالم صار حزينا مكتئبًا وكل ما يطلبه ساكنو هذا العالم هو السعادة.
دفعتنى الرسالة وتكرارها من أصدقاء مختلفين فى العمر والاتجاهات وشكل الحياة أن أبحث فى سبب كآبة العالم واحتياجه الشديد لمعجزة تجلب له السعادة.. نعم معجزة!! فسانتا كلوز هو رمز صنع المعجزات.. وغالبا يلجأ له الناس بعدما يعجز التقدم الإنسانى والإمكانيات المادية والبشرية عن تحقيق الطلب، فيصبح المنشود هو معجزة.. كيف صار صنع السعادة من المستحيلات التى تنتظر المعجزات؟
وجدت رسالة أخرى لسانتا تبدو كفكاهة وتنتشر على السوشيال ميديا أيضا.. وهى عبارة عن رسالة من طفل ويبدو ذلك من خطه وألوانه.. يقول فيها الطفل لسانتا: "عزيزى سانتا. كيف حالك؟ أنا بخير. هذا ما أريده فى الكريسماس." وبعد ذلك مكتوب بخط الطفل "لينك" طويل جدًا من أمازون، أشهر مواقع الشراء عبر الإنترنت.
وتلخص الرسالة مدى تعقيدات الحياة المعاصرة فى شكل يبدو مضحكا ولكنه يجسد كآبة البعد عن البساطة حتى عند الأطفال الذين صار الوصول لأحلامهم يتطلب الكثير من المعرفة.. الكثير من المال.. القليل من الحلم.. والقليل من البساطة.. وهذا هو بالضبط سبب كآبة الحياة المعاصرة وبحث الكبار عن السعادة المفقودة.
صادفت فى البحث معلومة جديدة بالنسبة لى قديمة التاريخ عما أطلقوا عليه قبل أكثر من قرن من الزمان فى الولايات المتحدة اسم "عملية سانتا"!! وهى مشروع بريدى كبير بدأ كفكرة لتنمية خيال وقدرات الأطفال.. وصدر لعامة الناس فى الولايات المتحدة عنوانا بريديا لسانتا كلوز فى القطب الشمالى يستقبل فيه رسائل الأطفال من سائر الأنحاء فى البلاد ويرد عليها. وتضمنت "عملية سانتا" عددًا كبيرًا من العاملين بهيئة البريد للرد على الرسائل الكثيرة الواردة من الأطفال.. ولكن ازدياد الرسائل بشكل كبير فى الأربعينيات من القرن الماضى دعا إلى ضرورة قبول المتطوعين لمساعدة سانتا ورجاله فى الرد على خطابات الأطفال وإيصالها لهم قبل الكريسماس.
من الجدير بالذكر أن سنوات الكساد أو ما يدعونه (Depression Years) فى الولايات المتحدة والتى كانت بين 1929 و1939 لم تؤثر سلبا على مشروع عملية سانتا.. لا من حيث عدد الرسائل ولا من حيث الحماس فى الرد عليها.. وكما تقول الدراسات المتخصصة عن السعادة فإن نسبة الاكتئاب عند الأمريكيين فى الألفية الجديدة أكثر كثيرًا منها فى سنوات الكساد.. أى أن كل هذه الإمكانيات الجديدة والتقدم غير المسبوق والكماليات والاستهلاك والرفاهية أدت إلى نقصان مقدار السعادة وبالتالى رغبة الناس فى معجزة لتحقيقها!!
عزيزى سانتا:
العالم يحتاج إلى سعادة ولا يستطيع أن ينالها لأنه صار ضحية تعقيدات يدخلها كل يوم إلى حياة من يعيشون فيه.. يشغل أذهانهم ويعطل طاقاتهم ويبعدهم شيئا فشيئا عن اكتشاف جمال بساطة الحياة.. صاروا نسخا باهتة من بعضهم البعض.. ابتعدوا، بل تغربوا لا عن مجتمعاتهم فقط، بل حتى عن أنفسهم.. صار كل واحد منهم عالما خاصا متقوقعا محبوسا داخل تعقيدات العالم الافتراضى ناسيا ومتجاهلا العالم الحقيقى السعيد.. اختفت أحلامهم حتى الأطفال منهم.. وتضاءلت قلوبهم حتى الشعراء منهم.. وضعفت أبصارهم وبصيرتهم.. ووهنت أياديهم وقوتهم.. فيا عزيزى سانتا إن كنت تملك أن تعيد لهن نفوسهم المغتربة ليسكنوا إليها فقد تستطيع أن تمنحهم السعادة.. تحياتى لك ولكل من يستطيع أن يعاونك.