البث المباشر الراديو 9090
أحمد سليم
الجريمة الأسرية التى أصبحت أخبارها تملأ الصحف وتتصدر وسائل التواصل الاجتماعى والمواقع الإخبارية، والتى أصبحت معلمًا يوميًا نتابعه ولكن لم نحاول أن نتوقف عنده قليلًا، وإن كان المطلوب هو أن نتوقف عنده طويلًا بالدراسة والبحث.

الأم التى تركت أطفالها ليحترقوا ثم ألقت بالجثث الثلاث على ترعة المريوطية .. الأب الاستاذ الجامعى الذى قتل ابنه ضربًا بالأحزمة لأنه سرق جنيهات من المنزل وعاونته الأم بعد ذلك فى حمل الجثة وألقياها بالشارع .. الأب الذى أغرق أطفاله والآخر الذى ذبحهم وزوجته والثالث الذى فعل نفس الشئ.. الأم التى تحمل عاطفة الأمومة وخلقها الله لكى تحمى أبناءها .. الأم الإنسانة فى مواجهة أنثى الحيوان التى تدافع عن أبنائها حتى الموت .. الإنسانة فقدت كل مشاعرها لتغرق ابنتيها فى ماء ساخن مخلوط بالبوتاس لتقتلهم استجابة لأوامر أبيهم ثم تدفنهم وتتبعهم بجريمة قتل أخرى لطفلتها الثالثة عقب ولادتها.

عشرات الجرائم لأبناء قتلوا آبائهم وأحفاد قتلوا الأجداد .. لم يعد الجانى غريبًا نخاف منه أو نغلق دونه الأبواب ولكن أصبح الجانى هو الأب الذى يحمى والأم التى تلد وتربى والشقيق السند والابن والابنة والأحفاد .. ماذا يحدث؟، ولماذا؟، وما هو السبب الذى يدفع أب أو أم لخنق أو إغراق أطفاله وهم يجرون إليه يحتمون بحضنه من خطر الحياة فيلقيهم بدم بارد فى حضن الموت .. الطفل الذى سأل أباه وتضرع إليه ألا يؤذيه، والذى جرى إليه ليحتمى به من الخطر فكان هو الخطر .. الأم التى ولدت لتربى وتحمى تفقد كل المشاعر لتتحول فجأة إلى قاتلة تخطط وتدبر لتقتل أعز ما وهبها الله.

كل ذلك يحدث أمام بصر وسمع أجهزة البحث والدعوة، ولا أقول أجهزة الأمن لأنها غالبًا تنجح فى دورها عندما تحل ألغاز القضية وتقبض على الجانى، ولكن هناك وزارات وهيئات يبدو أن دورها الحقيقى غاب عن قياداتها.. مركز البحوث الجنائية والاجتماعية ودوره الأساسى هو البحث فى الظواهر الاجتماعية وتحليلها ووضع رؤى لمعالجتها .. غياب الدور البحثى للمركز ومراكز أخرى شبيهة يعنى غيابًا لدور مهم .. لم تفكر الجهات الدينية الثلاث الأزهر أو الكنيسة أو الأوقاف فى دراسة لما يحدث وتحليله واستغلال منابر الدعوة لإحياء قيم الأسرة، والدعوة للحرص عليها، وإحياء الحافز الدينى والأخلاقى داخل الاسرة المصرية.

غياب الحافز الدينى والتوعية الدينية، وضعف دور منابر الدعوة الإسلامية أو المسيحية يعنى أننا أمام خطر داهم .. غياب مراكز التعليم أو تحديدًا مراكز البحث والدعوة داخل الجامعات، والاكتفاء فقط بالتحصيل العلمى أدى إلى خروج أجيال تحمل درجات علمية كبرى تصل إلى الأستاذية، ومع ذلك لم يتورع الأستاذ الجامعى عن قتل ابنه، وبعد تنفيذ جريمته اتجه إلى إخفاء آثارها بإلقاء جثته فى الشارع حتى يبعد التهمة عنه.. زوجته الطبيبة أيضًا شاركته بصمتها عن تعذيب ابنها ثم ساعدته فى محاولة إخفاء آثار الجريمة.

رجل الأعمال الحاصل على درجة جامعية عالية، وعضو بالأندية الكبرى الذى قتل أولاده وأسرته بالكامل، النماذج المتعددة حاصلة على درجات علمية كبيرة وعملوا بمجالات عمل جيدة .. الفقراء بين مرتكبى الجريمة الأسرية قليلون .. الأميون والحاصلون على درجات علمية بسيطة ليسوا الأغلبية.

إذًا الفقر أو الجهل ليسا فقط السبب، هناك أسباب أخرى منها مثلًا: محاولة الثراء السريع، والصدمات التى قد يتعرض لها الراغبون فى الثروة السريعة .. السبب الآخر هو المخدرات والتى تقف وراء أكثر الجرائم وأغلبها، وهو ما يستوجب مواجهة حاسمة رغم أن هناك جهودًا كبيرة تبذلها وزارة الداخلية من خلال قطاعاتها المختلفة، وخاصة الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، وعلى رأسها اللواء مجدى السمرى، والذى يقود حملة متواصلة فى كل أنحاء الدولة ضد المخدرات .. أيضًا الجهد الذى تبذله الوزيرة الدكتورة غادة والى، وزير التضامن الاجتماعى، ومساعدها د . عمرو عثمان، المدير التنفيذى لصندوق مكافحة الإدمان .. مكافحة المخدرات هى المدخل الأول والأساسى فى مكافحة الجريمة بمختلف مجالاتها خاصة الجريمة الأسرية، والتى كشفت التحقيقات فى أغلب الجرائم إدمان مرتكبيها فكانت السبب سواء للبحث عن مصدر لشراء المخدرات، أو وقوعها والجانى تحت تأثير المخدرات.

الجريمة الأسرية والتى تشكل حاليًا مظهرًا من مظاهر الجريمة انتشر وتنوع وأصبح مرعبًا بعد الجريمة الأخيرة فى المرج، وكان واضحًا من نظرات المتهم أنه يجب أن تواجهها بشكل أكثر جدية مما يحدث حاليًا، فارتفاع عدد الجرائم وتنوع مرتكبيها سواء على المستوى المادى أو العلمى يجب أن يلفت نظر الجهات المختصة إلى خطورة ما يحدث .. فبناء دولة والعمل على إعداد مستقبل يليق بتاريخها تأتى الأسرة فيه حجر أساس لكل ما يحدث، فعندما تتعرض الأسرة لظاهرة تصل إلى القتل العمد وبدم بارد، فالمطلوب أن ننتبه جميعًا إعلامًا وأزهرًا وكنيسة ووزارات مختصة إلى أهمية المواجهة.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز