البث المباشر الراديو 9090
نسرين فؤاد
فى ثمانينات وتسعينات القرن الماضى كنا نتشارك جميعا من مختلف الطبقات الاجتماعية فى الالتفاف حول شاشة واحدة، نشاهد نفس الأعمال ونتشارك فى الاستمتاع بها.

ومنذ ذلك الحين وبعد كم هائل متباين من التطور والحداثة وتنوع قنوات ومنصات الترفيه، أصبح كلٌ منا يَنهل منفردًا من تلك المنصات كما يحلو له دون مشاركة متكاملة كما كان يحدث قديما.

الآن بعد مرور عقدين من القرن الجديد نعود جميعًا ونتشارك فى قالب ترفيهى جديد تحت مسمى "تيك توك".

العزلة والحظر وجلوسُ أفراد الأسرة جميعا لأول مرة منذ سنوات لساعات طويلة داخل جدرانِ البيوت الدافئة أعاد جسورَ الترابطِ الأسرى مرة أخرى، وخلق مساحةً جديدةً للتعارف والتقارب بين أفرادها بعد عزلة صنعها التوحدُ مع الهاتف الخلوى الذى جعل الجميع يجلسون منكفئين فوق شاشته وكأن على رؤسهم الطير، وكأن عجلة الزمن عادت مرةً أخرى لتقف عند مسلسل السابعة مساءً ونحن نلتف حول مسلسلات أسامة انور عكاشة وإسماعيل عبد الحافظ.

هذا البرنامج الذى تشارك فيه الجميع، الصغار والكبار والنجوم والمشاهير، ففور سماع جملة بسيطة مثل "بكلمك مش بترد أو الاكس ابن الأيه" يقفز مباشرة إلى أذهاننا مشاهدُ عديدة قدمها وجسدها المئاتُ من الوجوه.

منذ انتشار ساحات السوشيال ميديا وتأكد لنا جميعًا حجم موهبة أغلب رواد تلك المنصات والمواقع، جملة واحدة من سطر أو سطرين على الأكثر يكتبها أحدهم لتنتشر فى ساعات وتجنى آلاف الإعجابات، وكأنه أحد كبار الكتاب والمبدعين.

المميز فى هذا البرنامج هو تكرار الفيديو الواحد بأكثر من طريقة وأكثر من مقدم، من منا لم يتفاجأ بقريب أو صديق أو زميل عمل، ظهر أمامه فى أحد الفيديوهات وهو يقدم فيديو من بضعة ثوانى ليرسم الابتسامةَ فوق شفاهنا.

الحقيقة المطلقة أن هذا الشعب يتمتع بخفة دم ربانية تُخلَق معه دون اصطناع أو ادعاء.

بدأ البرنامج قاصرًا على بعض المشاهير وبعض الأشخاص إلى أن حاصرتنا حالةُ الحظر والساعاتُ الطويلة فى العزلة لينطلق عشراتٌ بل ومئات الأشخاص فى دخول هذا العالم ليصنعوا تلك الحالة المبهجة.

جارى الوقور قليل الكلام الذى كان يكتفى بإيماءة من رأسِه عند إلقاء السلام اقتحم على شاشة هاتفى ذات ليلة وهو يلف رأسَه بوشاحٍ من الدانتيل ويقف فى بلكونة شقته ويصيح بحنجرته القوية "بهواااايا".

أو هذا الجار الذى فاجأنى بعزفه الممتع لإحدى روائع عمر خيرت، أو تلك الصغيرة صاحبة الضفائر المهندمة والغمازتين فى وجنتيها المكتنزتين وهى تغنى بحروفها المبعثرة وابتسامتها البريئة التى تهون على ساعات الحظر فى صالتنا وأنا أجلس مستعدةٌ متهئية بتحفزٍ وتركيز لتصوير عملى الأول على التيك توك لطريقة صنع البسكويت فى عشر دقائق.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز