نسرين فؤاد
ظننت أن أحلام الطفولة، الخاصة بمزرعة "جدو على" قد عادت من جديد وأن هذا الصوت لم يصدر سوى من عقلى الباطن، لكنه عاد .. مرة ومرة ومرة ولم يتوقف وهو يتردد بين حين وآخر وكأنه حوار بين البطة وشخص ما.
فى الشرفة وجدت أنوارًا تأتى من هنا ومن هناك، وآخرون مثلى خرجوا متطلعين يبحثون عن تلك "البطة".
همهمات وأصوات مبهمة، لم أفسرها لكن بالتأكيد توقعتها كلها عن البطة التى قررت المناجاة فى هذا الوقت المتأخر، دققت وأمعنت التركيز متقمصة شخصية المحقق شارلوك هولمز، حتى نجحت أخيراً فى معرفة مكان البطة.
ولأن الخيانة دائمًا تأتى من أقرب الناس إلينا، اكتشفت أنها بحديقة عمارتنا بالدور الأرضى، نعم هى كذلك فى شقة جارتى العجوز التى تسكن وحدها منذ سنوات.
توقفت الهمهمات وانطفأت الأنوار والكل عاد كما كان، فقط بقيت أنا وتلك البطة التى كلما ظننتها قررت الصمت، فاجأتنى وعادت للصياح.
الوقت يمر وأنا أزداد غضباً، وأجلس متحفزة وأنا أرتب الجمل والعبارات التى سأوجه بها جارتى فى الصباح،
سوف أحدثها عن حقوق الجيرة وحقى فى الراحة والهدوء وأحدثها عن فلسفة البعد الاجتماعى والثقافى لسكان الكمبوندات وأن مثل هذه الأشياء لا يمكن حدوثها هنا وبهذا الشكل.
سأشرح لها أن حدائق الأدوار الأرضية ليست حكراً لها ولملاك الدور الأرضى يفعلون بها ما يشاؤن، وأنها بالأساس مساحة خضراء نقية ينعم بها الجميع.
سوف أحدثها عن كل الاعتبارات التى أخذ بها فى طريقة معيشتى كى لا أتسبب فى إزعاج غيرى وأن عليها أن تفعل المثل كحق أصيل للجميع، لن أترك هذا الأمر يمر دون تصحيح ولن أترك لتلك البطة المساحة لتكرر صياحها بعد هذه الليلة.
فى الصباح كنت قد أستعد للخروج وخطوت بحزم نحو شقة جارتى بعزيمة وإصرار، دقائق مرت قبل أن تستجيب لطرقاتى على بابها وتفتح لى وهى مبتسمة مبتهجة مرحبة بفرح وحفاوة، استسلمت لها وتحركت خلفها وأنا أشعر بحماسى يخفت وعزيمتى تنهار وهى لا تكف عن ترديد عبارات الترحيب وتقودنى خلفها نحو الحديقة، وجدتنى أقف بجوارها وهى تشير لبطتها سعيدة كأنها طفلة صغيرة وتتحدث بفرحة شديدة وهى تصف سعادتها لصديقتها الجديدة، كيف اشترتها وكيف قررت أن تبقيها بعد ما رأتها منها وهى تجرى فى حديقتها مستمتعة بحرية اللعب بعد أن تحررت من قفص الفرارجى، جاءت عبارتها قصيرة صادقة وهى تقص على كيف أنها ومنذ سنوات وحدتها تقضى أول ليلة دون ألم ودون ذكريات تعصف بها وهى تصاحب بطتها وتلهو معها وتقدم لها الماء والطعام.
لم تغفل العجوز الوحيدة عن إبداء مخاوفها أن تكون بطتها قد سببت لى الإزعاج، ولأنى طوال الليل كنت أعد عقلى لتلك المواجهة، وجدتنى على الفور ودون أية تردد أخبرها أنى جئت خصيصاً لكى أشكرها على إحضارها، لأنى من هواة النوم على أصوات الطيور.