نسرين فؤاد
وفى عام 1987 قدم الكاتب "نبيل عصمت" من خلال مسلسل "الزوجة أول من يعلم" شخصية الأستاذ عبد السلام التى جسدها الراحل الرائع "جميل راتب"، الذى يعانى من تسلط زوجتة ناظر المدرسة، والتى تمنعه من دخول المطبخ وممارسة هواية الطهو ولا يجد منفذ غير مطبخ شركته الخاصة لفعل ما يريد.
ورغما عنى تذكرت تلك الشخصيتين مبتسمة، وأنا أسمع يوميا عشرات القصص والمواقف عن رجال اقتحموا هذا العالم طواعيةً، وبرغبة نابعة من داخلهم دون أى ضغوط خارجية، أو تنفيذا لأى أجندات خارج نطاق قرارهم الشخصى.
تقول الأسطورة الحديثة أن هؤلاء الأشخاص تلتبسهم تلك الحالة من بعد الثامنة مساء وإعلان بداية الحظر،
حيث يبدأ الملل يتسرب إليهم وتضرب رؤسهم تلك الأفكار الفجائية لدخول المطبخ وصنع شىء ما بأيديهم،
فى الأغلب هم يمارسون فن محاكاة الطهى لا الطهى ذاته، وينتج عن تلك الممارسات أشياء تشبه كثيرا ما تصنعه النساء والفتيات يوميا منذ ملايين السنين.
لا يمكن إنكار تلك الحالة العامة التى تجتاح كل أروقة المدن والشوارع مساء من تداخل روائح الأكلات بكل أنواعها، ولا يمكن أبداً تجاهل رائحة "الكيك" التى تفوح من بنايات لا حصر لها، وكأن هناك من صرح بأن الكيكة الأسفنجية هى خير وقاية للفيروس القاتل.
صور متعددة وفيديوهات لا حصر لها لأزواج يرتدون الرداء الرسمى للمطبخ، ويغلفون أجسادهم بمريلة المطبخ، ويقفون أمام البوتوجاز بعزيمة وتحدٍ وإصرار وحواجب مقتضبة صارمة، وهم يطهون المكرونة الإسباجتى وينبهوا المشاهدين طوال الوقت على أهمية الحرص الشديد والتعامل الحذر، حتى لا تنكسر عيدان المكرونة أثناء عملية التقليب الخطيرة والغاية فى الدقة والحساسية.
أو تلك المغامرة المثيرة لأحدهم وهو يجازف ويلقى بنفسه بجسارة يحسد عليها أمام طاسة مليئة بالزيت الساخن ويقوم بتحمير شرائح اللحم أو الدجاج ويختبئ خلف درع ضخم حتى لا تصل إليه ذرات الزيت شديدة الانفجار،
ودائماً ما يأتى مشهد النهاية بعد نجاح وإتمام مهمة الطهى، مفعمة بمشاعر الزهو والإنتصار تجبرك أحياناً على عدم القدرة على كتم مشاعر التأثر والسعادة وأنت ترى تلك اللحظة الحاسمة وتسمع بداخل رأسك إحدى الأغانى الوطنية الحماسية.
الحقيقة أن هناك الكثيرون يجيدون ذلك من قبل، ولكن الحالة الجديدة لهؤلاء الزوار الجدد للمطابخ، أضافوا حالة شديدة البهجة فى تلك الفترة الخاصة جدا.
المئات من الأزواج والأبناء ممن لا يعرفون عن طريقة صنع كوب الشاى، غير أنه عادة يحتاج إلى ماء ساخن وسكر، وأن هذه العملية تتم فى هذا الركن المنزوى فى الشقة المسمى "مطبخ".
قد تخلصوا من كل مخاوفهم القديمة وإقتحموا ذلك العالم بخطوات حسيسة، حتى صاروا من أصحاب المهارات المتعددة والأفكار غير التقليدية وأضافوا بخبراتهم الحياتية قيم جديدة تجلت ووضحت بشدة فى طريقة صنع أصابع ورق العنب.
كل محنة أو عارضة مهما بلغت شدتها ، تترك إيجابيات ومكاسب لولا تلك المحنة ما حدثت، ولعل أكبر مكاسب تلك المرحلة أن خريطة البيوت المصرية قد تغيرت ورُسِمت من جديد، لتصبح كل الطرق تؤدى إلى المطبخ.