محمد عبدالحافظ
أما الذين لا أصل لهم، وغير الأسوياء، ومرضى النفوس، فيرون ذلك، من منطلق أنه انتقام السماء، وأن الله أراد أن يعذب هذا الشخص الذى سيدخل النار.. ويقولون: مثله كمثل فرعون وقوم عاد وثمود!
كل إنسان يرى الأشياء من منطلق أصله، وتربيته، وثقافته، ونشأته.. ويبدأ فى التعامل معها ويطوعها ويبررها على هواه حتى يبدو أمام نفسه والآخرين أنه "صح".
وجاءت كورونا لتُسقط أقنعة وتعرى أشخاصًا ودولاً، ولست مع مقولة إن "الناس اتغيرت"، فالحقيقة أن الناس والدول "بانت على أصلها".. فالمنحة والمحنة تظهر الحقيقة.
الفيروس اللعين.. لم شمل أسر، وزاد أفرادها ودًا وتماسكًا وتراحمًا، وكان الحظر فرصة ليتقاربوا أكثر، وأن يستمع كل واحد للآخر، وأن يستمتعوا ببعضهم، فعجلة الحياة كانت تحرمهم من اللقاء، وبدوا كأنهم "واحشين بعض".. وعلى النقيض فرّق أُسرًا، لأن أفرادها كانوا يمثلون على بعض، وأن تباعدهم وانشغالهم فى أعمالهم كان رحمة، لأن حقيقة الأمر أنهم لا يحبون بعضهم، وأن بيوتهم أوهن من بيت العنكبوت.
رجال أعمال.. بعضهم احتفظوا بالعمالة واستمروا فى صرف رواتبهم، رغم توقف مشروعاتهم ومصانعهم.. وتبرعوا للدولة وللمستشفيات، وللذين تضرروا من كورونا.. وآخرون انتهزوا الفرصة، وسرّحوا العمال، بل أخذوا يصرخون ويطالبون الدولة، بدعمهم ليعوضوا خسارتهم، وكأن الدولة لم تخسر مثلهم، وصموا آذانهم عن دعوات التبرع والمساهمة والمشاركة المجتمعية.
الدول.. بعضها تقوقع على نفسه وعزل نفسه عن العالم، وأغلق حدوده ومنع الدخول والخروج، وتعامل مع الفيروس بإمكانياته المحلية، ودول أول ما فعلته هو التخلص من الأجانب الذين كانوا يعملون على أرضها، وغرّها غناها وهيأ لهم أنهم قادرون على حماية أنفسهم دون مساعدة أحد، ورفعوا شعار "نحن ومن بعدنا الطوفان"، ونسوا أن هؤلاء الأجانب كانوا يساهمون فى نماء بلدهم.
إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا
وأمريكا باتت تبحث عن متهم "يشيل" تهمة نشر الفيروس، فألصقتها بالصين، وأصبح شغلها الشاغل الآن هو مطالبة بكين بتعويض عما تكبدته الولايات المتحدة من خسائر مادية، وقال رجل الأعمال ترامب، الشهير برئيس أمريكا، فى مؤتمر صحفى، إنه لم يحدد حجم التعويض، ولكنه سيتجاوز مئات المليارات من الدولارات، وقضية التعويض تشغل بال ترامب أكثر من مئات الموتى الأمريكيين الذين يسقطون يوميًا، وعشرات الآلاف الذين يصابون بكورونا كل يوم فى بلاده.
أما مصر، فكانت لها خصوصيتها، حيث ظهر معدنها الأصيل، وجذور حضارتها الضاربة فى التاريخ.. فقد تعاملت مع الفيروس من منطلق إنسانى، فلم تفرق بين مصرى وأجنبى يعيش على أرضها فى تقديم الخدمات والرعاية الطبية.. كما أرسلت مساعدات طبية لدول كبيرة منكوبة.
لا أدرى لماذا ترن فى أذنى أغنية "بانو بانو على أصلكم بانو" للعبقرى الراحل صلاح جاهين.