البث المباشر الراديو 9090
نسرين فؤاد
"عم الطبيب من حالى طول الليل بتشّكى"، كلما وقع بصرى على خبر جديد عن اكتشاف علاج جديد لكورونا، وأنهم بصدد الإعلان عنه وإراحة مليارات القلوب القلقة من هذا الوباء، سرعان ما أجدنى أمام خبر ثان ينفى الأول وثالث ينفى الثانى ورابع ينفى الثالث وهكذا إلى أن ينفجر رأسى من كثرة الأخبار وتناقضها وأجدنى أعود للمربع صفر وأبحث مرة أخرى فى ملف الوقاية ليكون هى الهدف والملاذ.

ومثلما حدث فى البداية، مرة أخرى أجدنى أمام أطنان من المعلومات المتناقضة فى بعضها والمتشابهة فى البعض الآخر، طبيب يؤكد على حسابه الخاص أن لا جدوى من ارتداء الكمامة، وأنها هى نفسها قد تكون سببا مباشرا لنقل العدوى، وطبيب آخر على صفحته يؤكد ويطالب بملء صوته ألّا نكف عن ارتداء الكمامة مهما كانت الأسباب وفى أى تجمعات أو بمجرد النزول إلى الشارع.

طبيب يؤكد أن استخدام الكحول كمطهر ومعقم وقاتل للفيروس، محض اعتقاد وظن وأنه لا يمكن الجزم بذلك والخشية من أن ضرر المادة الكحولية على الجلد أوثق من غيره، وطبيب على النقيض يؤكد أنه لا تنازل عن استخدام الكحول المطهر طوال الوقت بالتزامن مع غسل اليدين والوجه بالماء والصابون.

طبيب يتحدث مبتسماً بهدوء وروية وهو يطمئن مستمعيه، بأن الأمر مبالغ فيه وأن الفيروس أضعف من أن يحاط بكل هذه الضجة العالمية، وأنه يجب علينا التعامل معه بهدوء وكأنه "دور برد" عادى أو حتى أقل من العادى وأن الثبات الانفعالى وهدوء النفس يجعل الجهاز المناعى قويا قادرا على قتل الفيروس وهزيمته فى اليوم الأول من المعركة الافتتاحية، وطبيب متجهم مقتضب يجلس أمام كاميرا هاتفه منزعج مضطرب وسرعان ما يرتفع تون صوته وانفعاله بأعين مرتبكة زائغة يؤكد أن هذا الفيروس قاتل ومن أشرس ما يكون وأنه إذا تمكن من أحد لا يتركه إلا جثة هامدة بعد أن يشل حركته ويكتم أنفاسه ويقتله بلا أدنى رحمة.

الحقيقة أننا هذه الأيام نجلس مكتوفى الأيدى أمام هذا الكم الهائل من أقوال الأطباء المتضاربة والتى تجعل بعضنا يعيش بلا أى انزعاج ويتفرغ لنشر الدعابات والعبارات الساخرة وكأن فيروس كورونا يقدم عرضاً مسرحياً على مسرح الهوسابير، والبعض الآخر فى حالة هلع وتوتر دائم وبمجرد أن تلقاه بمكان أو تهاتفه، تجد سيلاً من الحكايات والقصص عن الطبيب فلان الذى كتب على صفحته كذا، وأن طبيبا من غرف العزل خرج بفيديو يخاطب فى الناس ضمائرهم وألّا يتركوا بيوتهم لأى سبب وتحت أى ضغط.

معاناة الأطباء وما يواجهون من خطر لا يختلف كثيراً عن أحوالنا نحن المواطنين العاديين المتأهبين بقوة لاعتناق تصور بعينه ومحاولة نشره وتأكيده فقط لأنه يتوافق مع رغبتنا وحالتنا المزاجية.

الشعوب بأجمعها تقف خلف الأطباء والعلماء محتمية بهم وبعلمهم ورسالتهم الإنسانية من وباء مفزع ومخيف، استطاع فى أيام تغيير وجه العالم بأسره.

عم الطبيب، أرجوك بأن تتأكد من أننا أوهن من كل ذلك خصوصاً كشعب مثل شعبنا ينتمى بثقافته الخاصة لمفاهيم كثيرة لا تحتاج غير مقطع فيديو صغير أو عبارات قصيرة على لسان طبيب لينتشر بعدها فى كل مكان مؤكداً أن الأمر بسيط ولا يدعو للانزعاج.

عم الطبيب أرجوك لا تهون شيئا هو حتى الآن لا بالهين ولا بالبسيط.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز