البث المباشر الراديو 9090
نسرين فؤاد
يقول المثل الشعبى الشهير "بعد ما شاب ودوه الكتاب"، وهو عادةً يستخدم لاستنكار شىء له علاقة بقطع عادة أو اكتساب عادة جديدة.

الجديد فى الأمر أن المثل الشعبى البسيط الساخر من تعديل سلوك أو اكتساب مهارة جديدة، قد تحقق بالفعل وأصبح لسان حال الكثيرين، بعد ما شاب وعاش لسنوات على قضاء مسائه مع أصدقائه فى المقهى أو أيا كان مكان تجمعهم، وجد نفسه مطالبا بإيجاد حل بديل لقضاء الساعات الطوال بعد العمل بدون أصدقاء ورفقاء الماضى.

بعد أن اعتادت التسوق وقضاء المساء فى النادى مع صديقاتها والتحدث عن أخبار الموضة والأزياء وأسباب ودوافع آخر خمسين زيجة فوق سفح الكوكب، وجدت نفسها وحيدة وجها لوجه مع شاشة هاتفها لساعات طويلة ممتدة لا نهائية.

ما حدث فى جوانب العالم خلال الشهرين الماضيين حوّل كل شىء حولنا وبدل ملامحه وتفاصيله وأنهى عادات واستجدت أخرى، تلك الأزمة والحياة الأشبه بالأسر والحصار - لمن التزم تعليمات تجنب الاختلاط والخطر- خلقت واقعا لم يكن يخطر ببال أحد لتجسيد المثل الخالد "بعد ما شاب".

شخصان لا ثالث لهما باعتقادى، الشخص الأول لم يستفد مطلقا من الأزمة وصارت أيامه كلها بلون واحد باهت وهو يجلس الساعات فى منزله برأس مقيد مع شاشة التلفزيون أو مطأطأ الرأس مقوس الرقبة وهو يحدق فى هاتفه منتظرا الكوميكس الجديد الساخر من "كورونا" والمستهتر بكل تصرفات الحرص ممن حولنا.

أما الشخص الثانى هو ذلك البالغ العاقل الرشيد الذى قرر أن يذهب طواعيةً وبقراره الخاص الصميم للكُتاب بعد أن شاب، قرر أن يكتسب مهارات جديدة وعادات جديدة وأن يحول أسوء ما فى الموضوع ألا وهو العزلة والوحدة وسكون الحركة بالمنزل، لطاقة إيجابية كبيرة ومكسب لا نهائى جاءه قدريا دون تخطيط، من استطاع قراءة كتب عديدة كانت متراصة مؤجلة فوق ضلع مكتبة مترب، ومن استطاع الجلوس خلف مكتبه وكتابة أشياء كثيرة مهمة كانت تعانى التسويف والـ "قريب.. قريب إن شاء الله"، ومن صنع حديقة فوق سطح منزله ومن تعلم الطهى ومن وثق ودون أفكارا مهمة كانت بحاجة فقط لمثل هذه العزلة لتجد طريقها إلى الورق والتأريخ.

لكل شخص حولنا لم يستسلم ويهزمه الكسل ويقيده العادى والمألوف، وقرر أنه بعد ما شاب يروح الكتاب، أخبرك بكل يقين أنك لم تهزم الأزمة فقط، لقد حولت الخسارة إلى مكسب عظيم.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز