حنان صبرة
عفوًا نحن فى مصر.. ولنا فخر أننا ننتمى لمجتمع بسيط طيب لا ننفصل عن أصالته وتلقائيته وجدعنته وشجاعة وصلابة آبائه وأمهاته وتضحياتهم دائمًا بكل ما يملكون من أجل أولادهم حتى وإن جاء ذلك على حساب أشياء كثيرة.
عفوًا د. طارق فالانفصال عن طبيعة المجتمع المصرى لتقديم أسباب علاج لمشكلة التعليم ليست هى الحل الأمثل، ولن تجدى، ولن تفيد فى إصلاح حال منظومة تعليم بالية عانى منها الكثيرين ودفع ثمن الحصول على شهادات بجهود واجتهادات شخصية كثير من التلاميذ لسنوات طويلة، وهرب منها إلى غيرها كل من وجد بارقة أمل فى طريق آخر يؤدى لنفس المحصلة مهما كان الثمن باهظ ولكن كمحاولة منهم للحفاظ ولو على جزء بسيط من الصحة النفسية لأولادهم كى يتجنبوا أشباح الثانوية العامة المتراكمة فى صندوق الدنيا على مر الأيام والسنين.
استوقفتنى، بل وأحزننى كأم، بالأمس نبرة الهجوم فى كلماتك على ما يزيد عن مليون أب وأم جاء بعضهم للوقوف على الأرصفة فى حالة قلق وتوتر لمدة ساعات فى نهار حار جدًا خوفًا على أولادهم.. فوقوفهم لا يدعو لكل هذا الهجوم، فهو ليس إلا محاولة بسيطة لطمأنة قلوبهم وقلوب أولادهم، وهو أيضًا كل ما يملكونه فى ظروف قاسية صعبة أجبرتهم على المجازفة بصحة أولادهم لإنهاء مرحلة تعليمية بأمل منهم أن تأتى بأقل الخسائر، وأن يخرجوا منها جميعًا سالمين.. وهو شىء ليس هين ولا سهل على أى أب وأم على الإطلاق.
فبأى منطق يكون الهجوم والغضب من تصرفهم والتعجب من كونهم لا يفكرون فى صحتهم وفى الصحة العامة، إن كان أولادهم عرضة للخطر؟ فالجميع فى مركب واحد.
انتظار أولياء الأمور لأولادهم على الأرصفة فى الشوارع لم يأت كنوع من الاختراق المتعمد للقواعد كما ذكرت فى البرنامج، ومرة أخرى فى برنامج مساء دى إم سى مع الزميلة إيمان الحصرى، ولا هو سلوك غريب وسىء كما وصفت، هو نابع فقط من حب ممزوج بخوف وتوتر وجاء كمساندة لهم فى أول يوم لتأدية امتحانات مصيرية فى أصعب ظروف ممكن أن يوضع فيها أى أب وأم، وهو اختيار قاسى لأولادهم بين تأدية امتحان الثانوية العامة.. أقصد "التابو" الذى توارثته الأجيال فى بلدنا، وبين ضياع سنة من عمرهم وتحمل أمامهم ومعهم مسؤولية هذا القرار البديل وغير الواضح العواقب أيضًا إذا ما فضلوا وآثروا صحة وسلامة أولادهم وأنفسهم على آداء الامتحانات، وأجبروهم أو حتى نزلوا على رغبتهم بالاعتذار عنه، فجميعهم مضطرون للأسف، لذلك لا يجب أن يواجه موقفهم هذا بكل هذا الهجوم، وهذه النبرة من الاستنكار والتعجب والتى فتحت المجال للسخرية من البعض منهم.
عفوًا سيادة الوزير فنحن لسنا فى اليابان ولا فى أمريكا، حيث ينفصل الأبناء عن الآباء فى سن 16، ويذهب كل منهم فى طريقة، وقد ينتقل أو يعيش فى ولاية أخرى، ويقرر وحده مصيره فى استكمال الدراسة أو اختيار العمل والحياة فى معزل عن أهلة.. فتركيبة مجتمعنا تختلف عن باقى المجتمعات وإن سبقونا علميًا وكانوا أكثر تقدمًا منا.
مجتمعنا تحكمه المشاعر ويحركه الترابط الأسرى والموروثات التى مهما اتفق أو اختلف عليها الكثير هى جزء أصيل من تشكيل وجدان الناس، ومعظمها هى التى تحرك كل أب وأم فيما يخص أولادهم.. فلا تلومهم فى موروثاتهم فى التعامل مع الحياة ببساطة فهذه الموروثات التلقائية هى ما يساعدهم على الأيام وما تملك أيديهم لمواجهة صعوبة الحياة أحيانًا كثيرة.
تخيلت بالأمس ماذا كانت ستأتى كلماتك لو فاجأك أكثر من نصف مليون طالب بالإنسحاب من آداء الامتحانات وإيثار صحتهم على الشهادة التعليمية.. أظن أن ذلك كان سيأتى أكثر راحة للجميع، ولم يكن الأهل سيواجهون كل هذا الهجوم والمحاسبة والتهديد بالتعامل معهم بالعنف نهاية الأسبوع الجارى، وإقحام اسم وزارات أخرى فى غير مجاله نهائيًا.. فأهالى الطلاب ليسوا مجرمين، بل هم أمهات وآباء غلابة كل ما يفكرون فيه فى تلك اللحظات هو أولادهم، لا يريدون بأى مسؤول على الإطلاق أى سوء بوقوفهم المسالم أمام باب المدرسة أو فى الشارع الجانبى المواجه لها فى انتظار خروج أولادهم سالمين يومًا بيوم وقلوبهم لا تملك غير الدعاء لأولادهم أن ينجيهم من عدوى المرض المجهول، الدعاء والقرب فقط هو كل ما فى أيديهم لطمأنة قلوبهم المرهقة وقلوب أولادهم التى تحمل عبء لا يستطيع أى ناضج واعى تحمله، فالكل فاض به الكيل من الرعب والخوف من فيروس الموت الذى لا يرحم صغير أو كبير.
إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا
سيادة وزير التعليم كنت أنتظر مداخلتك التليفونية فى برامج تليفزيونية مساء أول يوم امتحان استثنائى لطمأنة قلوب الطلاب والأهالى وإزاحة الحمل والعبء عنها بل، وتقديم الشكر لهم أيضًا على تأييد قرارك والنزول على رغبتك الملحة فى آداء هذه الامتحانات رغم كل الظروف التى يمر بها العالم، فلولا تنفيذهم وأولادهم لقرار حدوث الامتحانات لكان الجميع فى مأزق حال ما جاءت الاعتذارات جماعية.. على العكس ضغطوا على قلوبهم ونفذوا القرار الذى جاء منفردًا دون أنظمة تعليم فى دول أخرى آثر معظمها أمان الطلاب وقررت إلغاء امتحانات التقليدية للشهادات المماثلة وقاموا باستبدالها بطرق امتحان أو تقييم مختلفة تجنب الطلاب وعائلاتهم مخاطر الاختلاط فى هذه الظروف الصعبة وتعفيهم من الضغوط النفسية وصراع القرارات.. هذه الدول هى بالفعل متقدمة تعليميًا، وتكاد تتساوى مع اليابان التى أعطيت المثال بها فى حديثك.
سيادة الوزير.. الشعب المصرى شعب طيب وأولياء أمور الطلاب على مستوى الجمهورية "شقيانين" من أجل تأمين مستقبل أفضل لأولادهم وبناتهم، فالعملية التعليمية على اختلاف أنظمتها متعبة ومرهقة معنويًا وماديًا لكل بيت مصرى.. أهالى التلاميذ والطلاب ليسوا أعداء ولا متربصين بوزارتك كما تذكر دائمًا فى كل مداخلاتك التليفونية على برامج الهواء التليفزيونية التابعة للدولة وأحيانًا غير التابعة لها والتى تملكها دول أخرى.
والهجوم المتواصل عليهم لكونهم أمهات وآباء حقيقيين يملكون قلوب ترى مصلحة أولادهم بنظرة الأهل لا يعيبهم أبدًا بل يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، ويجب الاستماع إلى مخاوفهم ومقترحاتهم لتحسين منظومة التعليم مما عانت منه على مر السنين ومازالت للأسف تعانيه بسبب فقدان الحوار.. فالهدف واحد فى النهاية والحوار مطلوب من جميع الأطراف للوصول إليه.
ما تكتبه الأمهات على جروبات الـ"واتس آب" هو فضفضة لا يملكون غيرها قناة للتعبير فهم مغلوبون على أمرهم ولا يجدوا غير الفضفضة بالكلام سبيل للتعبير فالحوار معهم غائب ومفقود.
والسوشيال ميديا أهم مزاياها أو تكاد تكون الميزة الوحيدة هى أنها أصبحت إحدى قنوات معرفة الأخبار فى وقتها ولم يعد هناك أى غنى عنها فى حياتنا اليومية سواء رضينا أو لم نرض لمتابعة الأحداث حين حدوثها، فنفى ما ينشر عليها على الإطلاق ليس من الصواب وتجاهل كل ما يأتى من أخبار تخص وزارة التعليم واعتباره تنمر وعداء من الآخرين ليوقف مسيرة إنجازات الوزارة غير صحيح وفى غير محلة.
أما إعلام الدولة فلا غنى لأى وزارة أو جهة فى الدولة عنه على الإطلاق، فهو نافذة المسؤول الشرعية للوصول بقراراته لعامة الشعب.. لذلك استوقفنى بل وأحزننى تصريحكم بالأمس فى برنامج مساء دى أم سى أنك لست فى حاجة إليه وأنك تملك أجهزة قياس تابعة لوزارتك لمتابعة الأحداث ولا تحتاج إلى تقارير الإعلام ولا تستند إليها وترى كل وسائل الإعلام معطلة لمسيرتك ومثيرة للبلبلة.
سيادة الوزير.. أى محاولات للنجاح أو الإصلاح تتم فى معزل عن دراسة طبيعة الأسرة المصرية أوفى منأى عن المجتمع وباقى أجهزة الدولة لن تجدى ولن تثمر عن شىء.. ولن تزيد أولياء الأمور إلا إرهاقًا وخوفًا على أولادهم.