سمر الدسوقى
كنت قد جمعت أوراقى فور تولى جماعة الإخوان الإرهابية لمقاليد الحكم رافضة أن يلوث قلمى بكتابة حرف واحد عن هذه الفترة التى أتمنى أن تحذف من تاريخ مصر نهائيا "فى سابقة قد تعد الأولى من نوعها"، وقادتنى أقدامى للعمل خلال هذه المرحلة بإحدى الدول العربية فى انتظار قرار العودة بمجرد رحيلهم عن أرض مصر التى ما لبثت أن لفظتهم، وهو ما حدث بالفعل مع اندلاع ثورة 30 يونيو.
وشاءت الأقدار أن تواكب هذه الفترة بداية نزوح الأخوة السوريين إلى العديد من الدول فرارًا من جحيم وتدهور الأوضاع فى سوريا، فرأيت بعينى شباب واعد فقد الأب والأم والعزوة بل وعاصر كثيرًا منهم بعينه تحول السقف الذى يحميه لركام يضم رفات الأهل والأصدقاء، وأصبح لا يملك أكثر من شهادة علمية "مجرد ورقة فى نظر البعض" كان يحملها فى جولته اليومية من هنا لهناك بحثًا عن أى مصدر للرزق حتى وإن كان أقل كثيرًا من مستواه العلمى ووضعه الاجتماعى، كان يبحث عن وسيلة للحياة فى بلد ليست بلده وعلى أرض لا يمت لها بصله، وبين أناس مهما أحسنوا استقباله فهم غرباء عنه، رأيت هذا كثيرا وبكيت من أجله كثيرا، وأنا أدعو ألا يصل أبناء بلدى وتصل بلدى لنفس الحال، فمهما كانت أوضاعنا الداخلية صعبة ومهما كنا نعيش من مشكلات فى ذاك الوقت، فيكفى أن لدينا بلدا وأرضا وأهلا.
ومرت المرحلة وتكرر المشهد أمامى، وازدادت أوضاع العديد من دول الجوار سوءا تحت شعار "ثورات الربيع العربى" الوجه الآخر لمشروع الشرق الأوسط الجديد الكبير، فأصبحت صور خيام اللاجئين عادية بالنسبة لنا، وأصبح رفات الهاربين الذين تتلقفهم أمواج البحار أمر معتاد، وانتشرت أشلاء الجثث وروائح الدماء، وصور الصراعات والانقسامات القائمة على أساس الطوائف والأجناس والمذاهب داخل الدولة الواحدة، لتحل محل صور البناء والمشروعات الحضارية والتنموية المعتادة، ولم ينج من هذا الوضع سوى مصر.
نعم نجت مصر بإصرار أبنائها على العبور، بالتفافهم أقباطا ومسلمين فى نسيج واحد خلف قيادة سياسية واعية وجيش وشرطة واحدة، نجت مصر بالرغم مما مرت ومازالت تتعرض له من مؤامرات داخليًا وخارجيًا، يأتى الإرهاب فى مقدمتها والذى نجحت ثورة يونيو فى كشف خريطته الحقيقية، كما ترسم ملامحه جماعة الإخوان الإرهابية على مستوى مصر والعديد من دول العالم بدعم من تنظيم دولى يرعى العنف والدمار ومؤسسات دولية معنية بتحقيق نفس الهدف، ولكن كانت يقظة الجيش المصرى والشرطة المصرية حائط صد أمام كل هذا.
تذكرت كل هذا وأنا أرى أبناء بلدى يعودون بسلام وبعزة من ليبيا لأرض الوطن وفى فترة زمنية وجيزة لا تتعدى الـ 72 ساعة، فهل أدركنا قيمة الأرض ومعنى تراب الوطن، بل ومعنى أن نجد الأب الذى يحنو على أبنائه، أعتقد أن علينا الآن دور بعد أن نجحنا بالفعل خلف قيادتنا السياسية فى العبور بالوطن من نفق مظلم كانت أيدى الإخوان الخبيثة تجذبه إليه، علينا أن نكمل باقى الدور الذى تشاركنا جميعا فى القيام به من الدفاع عن هذه الأرض بكل ما نملك، ولنبدأ بالتعليم فعلينا وأن نعنى بتدريس "الأمن القومى" كمادة دراسية لأبنائنا سواء فى المراحل التعليمية قبل الجامعية أو بعدها، فما نحتاجه بالفعل لمواجهة مثل هذه المخاطر والحفاظ على هذه الأمة جيل واعى يدرك أهمية الأرض ويعرف ماهية الوطن، ويبذل كل غال فى سبيل الحفاظ عليه والعمل والبناء من أجله.
أما دورنا كإعلام فرسالتنا هى التى قد تساعد فى بناء هذا الوطن أو تقويضه أقول هذا وأحمل نفسى معكم مسؤولية كبيرة نحو القيام بهذا الدور بشكل بناء لا يعتمد على تناقل الشائعات أو الأكاذيب، بقدر ما يعتمد على الوقوف فى صف هذا الوطن ومساعدته ودعمه، وبث روح الانتماء والولاء بين أبنائه، وإبراز ما يتم إنجازه من مشروعات تنموية ووطنية عملاقة خلال السنوات الأخيرة من أجله، فـ "كلنا مصر" فلابد نكون سلاحا لها لا عليها.