البث المباشر الراديو 9090
سمر الدسوقى
فى كل مرة كنت أقرر فيها السفر خارج مصر من أجل العمل، وبحكم حبى للتغيير واكتساب خبرات جديدة، كنت أشعر بسعادة مختلفة، فها هى بلد جديدة أتعرف عليها وعالم آخر أدخل إليه بل وطبيعة مختلفة أعيش فيها.

ولا شك أن بعض هذه التجارب كانت تضيف إلى الكثير، بل وكانت تشعرنى بالراحة بالبعد عن بعض ضغوط الحياة، وبعض المشكلات العادية التى نعانى منها جميعا، بل وكانت تبهرنى بشكل وطبيعة الحياة فيها والتى بالطبع وبحكم ارتفاع مستوى المعيشة تعد أقل وطأة وأكثر رفاهية.

ولكنى دائما كنت وبعد فترة لا تتجاوز الستة أشهر أشعر بالحنين للعودة مرة أخرى إلى بلدى، إلى ضجيجها وشوارعها وناسها وطبيعة الحياة فيها بكل ضغوطها ومشكلاتها وزحمة شوارعها، كنت أشعر بالحاجة إلى البقاء مع أهلى وأصدقائى، ولم أكن أجد تفسيرا واضحا فى البداية لهذا، بل كان الكثير من الأصدقاء يصيبهم التعجب من مشاعرى هذه متسائلين كيف يمكن أن يعيش الإنسان فى بيئة ومجتمع أكثر رفاهية ووسط إمكانيات مادية أكثر سهولة ويسر ويتطلع للعودة لإمكانيات وظروف اقتصادية ربما تكون مختلفة بل وحياة أكثر تعقيدا بمشكلاتها وملامحها وطريقة المعيشة فيها.

ولكنى رغم كل هذا كنت أعود، كنت أعود وبداخلى مشاعر كثيرة من الحنين لكل شىء للشوارع والطرقات والأصدقاء، بل والعودة مرة أخرى لعملى، كان ينتابنى الحنين للشعور بالألفة، بل والأصح الأمان وأنا أسير بالشوارع وألتقى بأصدقائى وأعود لمنزلى وأنا أمشى على أرض لا أشعر فوقها بأى خوف أو قلق من ساعة العودة لمنزلى، فأنا أعرف كل ركن فيها، بل وأعرف أن أى فرد من أهلها لن يتوانى ولو للحظة عن مساعدتى إذا تعرضت لأى خطر فى الطريق العام، أو لو قدر الله حادثة حتى وإن كان لا يعرفنى فكل فرد على هذه الأرض هو أهلى وناسى وعائلتى التى لن تتأخر عن مساعدتى ودعمى، لأننى كما يقولون بنت بلدهم.

كنت أشعر بسعادة بل واحترام وتقدير من الكل من الأهل والأصدقاء مهما كانت مكانتهم ووضعهم الاجتماعى والوظيفى، كنت أشعر وببساطة بمعنى الوطن اشعر بمصر، بمعنى أن تجد أرضا تحتضنك وأناس تشعر أن جميعهم هم أهلك وناسك وكلهم يد الحماية التى تدافع عنك، وأدركت حقيقة الأمر بعد فترة ليست ببسيطة فأنت مهما بعدت، لابد أن تجتذبك هذه الأرض مرة أخرى بمشكلاتها وضغوطها قبل رفاهيتها، لابد وأن تحلم بالسير على أرضها وزيارة أهراماتها ونيلها، مهما كنت تعيش فى وسط أكثر جمالا وإبهارا، هذا هو ما لا يدركه الكثيرون ممن يعيشون على أرض مصر ولم يبرحوها، فبعضهم يرى فى البعد عن مشكلاتها أيا كانت راحة ليس بعدها راحة، لأنه يعيش داخل أرضها ولم يبعد ولم يشعر بمشاعر الحنين التى لابد وأن تنتابك بمجرد إقلاع الطائرة ومغادرتها لأرض الوطن، لم يشعر بمدى الأمان الذى سينتابه بمجرد أن تطأ عجلاتها مرة أخرى أرض المطار عند العودة إليه.

هذه المشاعر كانت السبب فى تغير نظرتى للحياة، بل وحياتى بأكملها فى السنوات الأخيرة، فقد أصبحت أكثر رغبة فى لعب دور حقيقى بل والمشاركة فى مساندة هذا الوطن ودعمه بكل ما أملك من قوة سواء من خلال كتاباتى أو مشاركتى فى بعض الأنشطة ذات الطابع التنموى أو السياسى، فقد أدركت وبعد عدة تجارب أنه لا يوجد لنا سوى بلدنا مهما تغربنا وبعدنا وعشنا فى مستوى اقتصادى أفضل لذا لابد وأن يكون لنا دور حقيقى فى مساندتها بل الوقوف بجانبها كلما احتاجت، فيكفى أن نعمل ويؤدى كل منا ما عليه، يكفى أن نشارك كلما احتاجت إلينا.

أقول هذا وأذكر نفسى وإياكم به دائما علينا ألا نتوانى عن الوقوف بجوار بلدنا وتأدية كل ما علينا كل فى موقعه، ليس فقط لأن هذا واجب وطنى، ولكن لأنه جزء من شعورنا بأننا نؤدى ما علينا تجاه أرض وناس دعمونا وكانوا سندا لنا منذ مراحل التنشئة الأولى.

لابد أن نكون دائما جميعا فى أهبة الاستعداد لدعم وطننا سواء من خلال إعداد أبنائنا لتحمل مسئوليتهم تجاه هذه الأرض فى كل الأوقات، وفى كل المحافل، أو الدفاع عنها وتقديم صورة حقيقية بل وجيدة عن كل ما يقام عليها من مشروعات قومية عملاقة ومبادرات وطنية، كل فى موقعه سواء من خلال الإعلان عنها عبر مواقع التواصل الاجتماعى، أو من خلال أعمالنا الإعلامية والفنية، علينا أن نعرف الداخل قبل الخارج ببلدنا الحقيقية الجميلة الشابة التى مازالت تبنى وتعمر، علينا أن نكون نحن وأبنائنا وبكل الصور حائط الصد امام ما يحاك أحيانا من المؤامرات الداخلية والخارجية ضددها، لنكن لها دائما اليد التى تدعم وليس التى تهدم.

أقول هذا ونحن نستعد جميعا لخوض انتخابات مجلس الشيوخ لنشارك ونتواجد كناخبين ومرشحين، ونختار ولكن لنختار من يعبر عنها وعنا "مصر التى فى خاطرى وخاطرك".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز