د.حسام فاروق
وحينما تُراجع أحدهم فى خبر ما أو معلومة بعينها يجيبك مستنكرا وبكل ثقة: "بالتأكيد المعلومة صحية فقد وردت فى خبر أذاعته شبكة CNN الأمريكية أو أوردته وكالة "رويترز" البريطانية أو نشرته صحيفتى نيويورك تايمز وواشنطن بوست الأمريكيتين، وبكل ثقة أيضا يسألك مستنكرا: هل هذه الوسائل ستخطئ؟ يعني أُصدقك أنت وأكذبهم؟! و كأنها وسائل منزهة عن الخطأ! ثم يناقشك فى فكرة الحياد لدى الإعلام الغربى وكم هى متوفرة فى رأيه.
بصراحة شديدة أنا أشفق على هذا النوع من البشر وأرى أن خطورته تزيد لو كان من المشتغلين فى الإعلام فهو، يسعى جدياً لتقليد منظومة الإعلام الغربى والالتزام بها، شكلا وطريقة ومضمونا ويجد نفسه دائم الحديث، والحديث فقط لا الفعل، عما يُسمى قيم الحيادية، والموضوعية، والاتزان، والتسامح، واحترام الرأى المخالف، المتوفرة فى الإعلام الغربى.
وبحكم عملى لسنوات طويلة فى الإعلام بمختلف صوره المقروء والمسموع والمرئى، وبحكم تخصصى العلمي الدقيق كباحث فى الإعلام السياسى الدولى أقول وأنا على يقين ولدى ما أستند إليه أن الإعلام الغربى بكل صوره فى جانب كبير منه لم يخل من التسييس ولم يستغن عن المال السياسى ولم يتحرر من لعبة المصالح.
قبل الحديث عن خطايا معظم الإعلام الغربى يجدر بنا أولاً طرح السؤال "المعضلة": هل حقا هناك حياد فى الإعلام؟ سؤال يتردد فى الأوساط الإعلامية على كل المستويات المحلية والدولية والعالمية، على مدار عقود طويلة.
الحقيقة الدامغة أنه لا يوجد فى الإعلام سواء كان محلياً أو دولياً أو عالميا، شىء اسمه حياد، حيث لا فكاك من تأثر الإعلام وحامل الرسالة الإعلامية بالبيئة والمجتمع والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لكن هناك حقيقة يجب أن يسعى الإعلامى لإظهارها، وحق يجب أن ينحاز إليه، وموضوعية يجب أن يتحلى بها، كما أن هناك ضوابط تحكم عمله وفى نطاقها يتحرك وهذه مهمته، نعم هو متأثر وله رأى، لكنه فى الأخير يجب قدر الإمكان أن يمتثل للضوابط التى تخرجة من فخ التحيز إلى مستوى معتدل من التناول الإعلامى.
لم يكن الإعلام الغربى الذى يدافع البعض عنه ويحاولون التشبه به فى يوم من الأيام حيادياً أو موضوعياً أو نزيهاً عندما يتعلق الأمر بالآخر حتى فى عقر دار الدول التى تتغنى بديمقراطيتها المزعومة، ومصطلح الحياد ليس له وجود لدى الغربيين أنفسهم ويستخدمونه فقط فى سياق الحروب النفسية وتحقيق انتصارات وهمية فى معارك فكرية كبيرة عبر الترويج لمصطلحات كبيرة فى ألفاظها مفرغة من مضامينها وهم أبعد الناس عن استخدامها أو الالتزام بها. فالأنظمة الغربية لا يمكن أن تتسامح إعلامياً مع خصومها فى الداخل أو الخارج، والإعلام الغربى لن ينفصل يوما عن الأهداف السياسية للدول التى تملكه أو تموله، كل ما فى الأمر أنه يدير معاركه بمنتهى التحيز وفى نفس الوقت بمنتهى الدقة والمهنية والخداع للمتلقى، فينبهر أولئك الذين تسيطر عليهم فكرة عقدة الخواجة.
وهذا الأمر ليس بجديد ولم يستحدث مع الثورات التكنولوجية فى عالم الاتصالات، ولكنه قديم قِدم الأهداف الاستعمارية للدول والتاريخ ملىء بالوقائع التى تؤكد فكرة الانحياز نذكر مثلا فى الربع الأول من القرن العشرين عندما اشتد الصراع بين الحكومة البريطانية ومنظمة "الشين فين" اليسارية، الجناح السياسى للجيش الجمهورى الأيرلندى، حظرت الحكومة البريطانية على وسائل الإعلام البريطانية المسموعة إذاعة أى تصريحات للمسؤولين فى تلك المنظمة بأصواتهم الحقيقية، فلم يكن مثلا بإمكان جيرى آدمز رئيس "الشين فين" أن يدلى تصريحات بصوته للإذاعات البريطانية، كما لم تكن وسائل الإعلام البريطانية فى عام 1982 حيادية فى تغطيتها لحرب فوكلاند غير المعلنة التى استمرت 74 يوما بين الأرجنتين والمملكة المتحدة على إقليمى جزر فوكلاند وجورجيا الجنوبية، وانتهت باستسلام الأرجنتين وعادت الجزر للسيطرة البريطانية وقُتل فى الصراع 649 عسكريًا أرجنتينيًا مقابل 255 عسكريًا بريطانيًا، وثلاثة مدنيين من جزر فوكولاند.
كما أن صدمة ضرب برجى التجارة فى نيويورك فى 11 سبتمبر 2001 ضربت معها على مدار سنين ما قد تبقى من اتزان ضئيل فى الإعلام الأمريكى تجاه العرب والمسلمين، وفى العموم لم يسمح الإعلام الأمريكى فى مجمله بظهور وجهات نظر المعارضة الداخلية الحقيقية للسياسات الأمريكية، كوجهة نظر عالم اللغويّات الأمريكى والمنظّر السياسى الكبير نعوم تشومسكى مثلا وغيره من المعارضين للسياسات الأمريكية.
وتحدث تشومسكى نفسه عن هذا الجانب فى كتابه " السيطرة على الإعلام ..الإنجازات الهائلة للبروباجندا" وحاول إلقاء الضوء على فكرة الانتقال من السيطرة على الإعلام إلى السيطرة على العالم بالإعلام، كما ناقش فكرة ترويض الرأي العام بغية المصادقة على قرارات السياسة الخارجية والسيطرة على العلاقات العامة، باعتبار الولايات المتحدة الأمريكية رائدة فى صناعة العلاقات العامة، كما لم تعرف صحيفتى نيويورك تايمز، وواشنطن بوست، الأشهر فى أمريكا معنى الحياد خلال تغطيتهما لأى انتخابات رئاسية أمريكية، فالصحيفتان على سبيل المثال تتبنيان نهجا عدائيا واضحا ضد الرئيس الأمريكى الحالى دونالد ترامب وسبق أن فعلا نفس الأمر فى انتخابات جورج بوش الإبن، حيث خرجتا قبل يوم التصويت بساعات، بافتتاحيتين ناريتين تهاجمان فيهما سياسة بوش، بمنتهى الأريحية، فعندما يكون الصراع السياسى على أشده فلا مكان فى الإعلام للحياد والموضوعية.
وعلى صعيد تعامل الإعلام الغربي مع مصر مثلا فى السنوات الخمس الأخيرة أستطيع أن أرصد لك تجاوزات كبيرة تضرب ما يروجون له عن الحياد فى مقتل وأذكر مثلا تغطية وكالة "رويترز" البريطانية للحاث الإرهابى الذى وقع فى طريق الواحات بمصر فى 20 أكتوبر 2017م، حيث سارعت الوكالة البريطانية "العريقة" بعد ساعات قليلة من الحادث بإعلان أن ضحايا الحادث من الشرطة "52 قتيلا"، فى الوقت الذى لم يخرج بيان رسمى من وزارة الداخلية المصرية حول الحادث، ما جعلنا نتعجب ونتساءل: هل كان لرويترز مراسل حربى فى المعركة حتى تخرج بهذه السرعة معلنة هذا الرقم للضحايا وإن كان لها مراسل فمع أى فريق يتواجد، هل فى صفوف الإرهابيين أم فى صفوف الشرطة المصرية؟! وبعد ساعات قليلة من تقرير "رويترز" خرج بيان وزارة الداخلية ليعلن عن استشهاد 16 من أفرادها وأسر فرد واحد تم تحريره لاحقا، وخرجت هيئة الاستعلامات المصرية لتدين تغطية "رويترز" وتطالبها بإعلان أسماء الـ36 المتوفين الباقين من الرقم الذى ذكرته "52 قتيلا".
ونحن بدورنا سألنا "رويترز" أين جثامينهم وجنازاتهم وذويهم؟ أين أين؟، و"رويترز" لم تجب ولم تعتذر واكتفت بسحب الخبر من على موقعها، للتغطية على فضيحة مهنية لها بكل المقاييس، وسلم لى على الحياد.
وعلى صعيد الإعلام الأمريكي سأختار لكم تقريرا من صحيفة نيويورك تايمز من "4000" كلمة كتبه مراسلها فى القاهرة ديكلان والش فى 15 أغسطس 2017 عنوانه " لماذا تعرض طالب دراسات عليا إيطالى للتعذيب والقتل فى مصر؟ التحولات الغريبة فى حالة اختفاء ريجينى فى القاهرة"، وقال فيه إن إدارة الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما عثرت على أدلة تفيد أن جوليو ريجينى قد اختطف وتم تعذيبه وقتله من قبل قوات الأمن المصرية وقد أبلغت حكومة رئيس الوزراء الإيطالى السابق ماتيو رينزى بذلك، وفى اليوم التالى مباشرة نشرت وكالة "آكى" الإيطالية الرسمية للأنباء نفيا قاطعا على لما نشره ديكلان والش، وقالت: "إيطاليا تنفى حصولها على أدلة من الأمريكان عن تورط الأمن المصرى فى مقتل ريجينى"، ونقلت عن مصادر حكومية إيطالية من رئاسة مجلس الوزراء الإيطالى "قصر كيجى" نفيها لكل ما ورد فى تقرير مراسل نيويورك تايمز وأبدت المصادر استغرابها متسائلة: من أين أتى بهذه الأوهام ولماذا؟! وهنا أيضا سلم لى مرة ثانية على الحياد.
مع الأسف الشديد بات الإعلام سلاحا خطيرا فى يد الدول تستخدمه لخدمة مخططاتها السياسية، ودولة مثل مصر عانت كثيرا فى السنوات الأخيرة مخططات كبيرة تمت إدارتها من الخارج عبر الإعلام الأجنبى "فى الغرب المحايد" الممول من دول بعينها والمدعوم لوجستيا واستخباراتيا من دول أخرى لأهداف سياسية اتخذت من تزييف الواقع وقلب الحقائق وتشويه الإنجازات والتشكيك فى الدولة ومؤسساتها ورواياتها الرسمية للأحداث سبيلا لخلق حالة من الفوضى وتمرير مخططات عدائية، وبعد كل هذا تجد من يقول لك الإعلام الأجنبى محايد، وهل نيويورك تايمز ستخطئ؟!
أخيرا أطالب المسؤولين عن الإعلام فى مصر بقناة تليفزيونية إخبارية مصرية موجهة للخارج بلغته تنقل الصورة الحقيقية بمنتهى الدقة والوضوح وتزيل الغموض وتكشف الحقائق وتواجه إعلام الشر وتوئد مخططاته وحيله.
وأقول لكل منبهر بالتجربة الغربية فى الإعلام إنها عروس كَالتْ على وجهها من المساحيق فلو غَسَلتْ وجهَهَا ستجد شبحاً معك فى الغرفة.