البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
يثور الجدل فى كثير من الأحيان حول حدود اﻻنضباط العام الذى تفرضه الدولة للحفاظ على الحد الأدنى من شروط انضباط الجماعة الإنسانية، وسير شؤونها فى مقابل مساحات الحريات والتغيير.

ومن هذا المدخل تحديدا تصنع وسائل إعلام أجنبية - تغلغل بداخلها مال سياسى - مدعومة بتقارير مسيسة من كيانات خارجية تسمى نفسها منظمات "حقوق إنسان دولية" هجمة على الدولة المصرية فى ظل الإجراءات التى اتخذتها مؤخرا لمكافحة مخالفات وجرائم الإنترنت، بعدما انتشرت بشكل لافت خاصة من قبل بعض الفتيات فى القضية المعروفة إعلاميا ب "فتيات التيك توك"؛ ما دفع مجلس النواب لإنهاء تشريع خاص بقانون مكافحة تلك الجرائم، ومن ثم بدء ملاحقة النيابة العامة وغيرها من الجهات المسؤولة لمرتكبى تلك الجرائم.

وخلال الأسابيع الماضية، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعى وبرامج التيك توك "اليوتيوبر"؛ المرتكبات للعديد من المخالفات على مواقع التواصل الاجتماعي، وخضع الجميع للمحاكمة.

وأصدرت النيابة العامة بيانات عدة، فى أعقاب القبض على نحو 10 فتيات فى وقائع مماثلة خلال شهرين، حذرت فيها مما وصفته بالمخاطر المحدقة بالشباب التى تسللت إليهم عبر منافذ إلكترونية لا تحظى بأى نوع من الرقابة، وطالبت النيابة أولياء الأمور بتوجيه مزيد من الاهتمام والانتباه لأبنائهم وعدم غض الطرف عن أمور تسللت لشبابنا، وأوضحت أن أطفالا وشبابا انخرطوا فى حياة غارقة فى الإباحية الجنسية وسعوا بشكل غير مشروع إلى كسب المال وباتوا طامعين فى شهرة زائفة و نجاح لا فلاح فيه.

ما فعلته الدولة فى هذه القضية تحديدا وما تفعله فى الحالات المماثلة هو تطبيق صريح لوظيفتها فى حماية الأخلاق العامة وليس معنى ذلك أنها تضيِّق على الحريات، فمن يروج لذلك كمن يقول كلمة حق يُراد بها باطل، فلو رجعنا بالتاريخ إلى ما بعد سقوط الإمبراطوريات ونِشوء نموذج الدولة الوطنية برزت عدة إشكاليات حول وظيفة الدولة وشخصيتها ونسقها القيمى و الحضارى.

فبجانب الوظائف التقليدية للدولة "التنفيذية والتشريعية والقضائية"، والتى تنبع من العقد الاجتماعى الممثل فى الدستور، الذى يحدد حدود صلاحيات السلطات مقابل الفرد المواطن، واحتكار ممارسة القوة بالقانون، فى إطار السيادة للشعب، وهو مصدر السلطات، هناك وظائف أخرى للدولة أهمها الوظيفة الأخلاقية التى تتمثل فى حماية القيم العامة و المحافظة على مستوى مسؤول من الحريات والتنوع، وللقيام بهذه الوظيفة على الدولة أن تراقب دائما تحولات الوعى الاجتماعى ووعى الأجيال الجديدة، وكيف وصل ذلك الوعى إلى مرحلة الرشد العام والنضج الاجتماعى المؤمن بالتنوع والحريات لإدارة حالة من الشراكة فى القيم والأعراف عبر تشريعات وأجهزة وقرارات تستوعب كل مرحلة وظروفها ومستوى الوعى الاجتماعى العام، فبجانب أن للدولة دور فى التنشئة فعليها حماية النشء، وهذه مسؤولية مؤسسات عدة داخل الدولة أبرزها الشرطة و القضاء والإعلام والمؤسسات الدينية.

لكن فى إطار الحروب على الدولة المصرية بعد 30 يونيه 2013 ستجد من يروج مثلا إلى أن مصر تراقب مواقع التواصل و تلاحق الناس فى البر و البحر و فى الفضاء الإلكترونى ولا مانع من طرح مصطلحات اجتماعية "ثقيلة" للرأى العام مثل مصطلح "الفزع الأخلاقي" المستخدم فى علم الاجتماع للترويج كذبا إلى أن الدولة تستخدم "فزاعة الأخلاق" لإسكات الشباب وبالطبع يتم الترويج لهذا الكذب عبر خطة ممنهجة خُصصت لها ميزانيات ضخمة عبر وسائل إعلام معادية وجيش إلكترونى قوامه عشرات الآلاف من الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعى.

حرية التعبير لا تعنى إساءة الأدب، والتعبير عن الرأى يختلف تماما عن بث محتوى يُشكل جريمة، فنشر مقاطع مصورة تحمل إيحاءات جنسية جريمة، كما أن ارتكاب فعل علنى فاضح جريمة، والترويج للرذيلة عبر وسائل الإعلام و وسائل التواصل الاجتماعى بأى طريقة و بأى صورة مباشرة كانت أو غير مباشرة جريمة.
القبض على مرتكبى الجرائم الأخلاقية عبر مواقع التواصل الاجتماعى لا يعنى أن هناك ملاحقة لمستخدمى هذه المواقع فهناك ملايين الشباب من الجنسين يستخدمون تلك المواقع بحرية من دون أن يتعرضوا لأى مساءلة أو مقاضاة.

الذين انتقدوا مصر ووجهوا سهامهم السامة إليها عبر أبواقهم المأجورة فى الخارج وروجوا كذبا إلى أن القبض على مرتكبى الجرائم الأخلاقية عبر "السوشيال ميديا" ما هو إلا تحرك من جانب السلطات المصرية لفرض مزيد من القيود على حرية التعبير وإحكام قبضتها على الفضاء الإلكتروني، لم يطَّلعوا على كامل حيثيات القضية، ولا تعنيهم الحقيقة من قر يب أو بعيد، هم فقط يريدون صناعة هجمة من الفضاء حتى ولو كانت من الفضاء الإلكترونى، فحسابات المتهمات فى قضية "فتيات التيك توك"، التى تحمل تلك الفيديوهات، كلها مفتوحة للعامة ولذا تخضع للمساءلة إذا كان المحتوى مخالفا للقانون، لكن لو بقيت حساباتهن شخصية ما مسها أحد, فالبيانات الشخصية تخضع للحماية بقوة القانون.

ربما أكون أكثر تشدُدا لو قلت أن الدولة ينبغى أن تقوم بدور أكبر فى ضبط الأخلاق العامة للمجتمع ليس فقط فى الإعلام البديل المستحدث المتمثل فى مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن أيضا فى الإعلام التقليدى "التليفزيون و الإذاعة و الصحافة بأنواعها"، ففى تصورى مثلا أن المذيع التليفزيونى، الذى يوجه الشتائم والسِباب لخصومه على الهواء يخرج عن الآداب العامة للمجتمع حتى لو كان خصومه يستحقوق السِباب.

بل أذهب لأبعد من ذلك وأقول أن المذيع التليفزيونى الذى يتحدث بصوت زاعق و"بالهمز واللمز" وحركات العين والحاجب هذا أيضا يخرج عن الأخلاق العامة، ومذيعة التليفزيون التى ترتدى ما لا يليق بقيم المجتمع وأخلاقه تخرج عن الآداب العامة، ومذيعة الإذاعة التى تتعمد أن تجلجل ضحكتها الرنانة عبر الأثير بمناسبة وبغير مناسبة تخرج عن الآداب العامة، الصحفيون الذين يتعمدون فى عناوينهم ومضامينهم طرح أفكار ومفردات مبتذلة حتى ولو وضعوها بين أقواس هم أيضا يخرجون عن الآداب العامة.

كل هذا ينبغى على الدولة ضبطه عبر المؤسسات المسؤولة، وفى تصورى لو استطاعت الدولة ضبط الإعلام بشقيه التقليدى و البديل سينضبط الشارع و المجتمع بالتبعية، ولا علاقة لكل ما ذكرته بالحريات فالدولة الوطنية الحديثة تحمى الأخلاق العامة وتصون قيم المجتمع، ولابد أن نفرق هنا بين وظيفة الدولة فى ضبط النظام الأخلاقى العام وبين التدين، فالدين له قدسيته وله بيوته و هو علاقة بين العبد وربه ولا توزع الدولة صكوك الإيمان على المواطنين، الدولة لا علاقة لها بدرجة إيمانك، فهذا بينك وبين ربك.

الدولة الوطنية الحديثة تقوم على التنوع والاختلاف فى العقائد والمذاهب، علاقة الدولة بك تكمن فى ضبط سلوكك وأفعالك مع الآخرين فى الحياة اليومية ضمن منظومة من القوانين المبنية على القيم الكبرى للمجتمع و ثقافته، والكلمة الكبرى للنظام والقانون الذى يدير الحياة اليومية ويحافظ على الذوق العام والآداب والأخلاق العامة ويصون حريات الناس وخياراتهم دفاعا عنها وحماية لها من الاختراق.

الخلاصة أن مصر تواجه تحديات خطيرة فى الداخل والخارج، وهذا يحملنا جميعا مسئولية كبيرة تجاه وطننا وقيمنا الحضارية الأصلية الرافضة للانحراف والمنحرفين والخارجين على قيم المجتمع وعاداته وتقاليده الراسخة، تحت أى مسمى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز