البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
لم تعد الدول فى حاجة للحروب التقليدية، طالما يمكن غزو أى بلد إعلاميًا باستخدام التكنولوجيا الحديثة، عبر حرب إعلامية يفرض فيها أحد الأطراف مُثُله وقيمه على الطرف المستهدف، بالأفكار أو المعلومات أو الإشاعات أو الصور ومقاطع الفيديو، فى محاولة  لتشكيل آراء الآخرين بالتضليل وتوجيه سلوكهم نحو هدف سياسى معين، وبواسطة وسائل الإعلام الإلكترونية بات من السهل إعادة برمجة وعى الجماهير وخلق منظومات جديدة للقيم.

ظهر مصطلح الحرب الإعلامية بمفهومه الواضح فى النصف الثانى من القرن العشرين، وأزاحت القوة الناعمة نظيرتها الخشنة، وحلت الحرب الهجينة محل الحرب الكلاسيكية، والأقمار الصناعية محل المدافع، ورغم حداثة المصطلح إلا أن أساليب هذه الحروب عُرفت قبل هذا التاريخ بعقود، وجرى تطويرها تدريجيا مع الزمن، وكان ولا زال العنصر البشرى هو القاسم المشترك فيها، فكان المُندسون والمُضلِلون ومروجو الشائعات يشنون هذه الحروب قبل ظهور آلات الطباعة، وحدثت أول ثورة فى الحرب الإعلامية فى القرن الـ15، بعد اختراع آلة الطباعة على يد يوهان جوتنبرج، بظهور ما عُرف بالمنشورات الطائرة، التى استخدمت فيما بعد كسلاح إعلامى فى حروب أوروبا الدينية.

ثم رأت الدول التى شاركت فى الحرب العالمية الأولى أنها فى حاجة إلى استحداث هيئات للتأثير الدعائى والنفسى، فظهر فى فرنسا ما عُرف بـ"هيئة الدعاية الحربية"، وفى بريطانيا استحدث مكتبا بنفس الاسم "الدعاية الحربية"، وبرع الإنجليز فى ممارسة أسوأ أنواع الدعاية خلال الحرب العالمية الأولى، وكانوا أول من توصل إلى فكرة القنابل الدعائية، وحينها ظهر لأول مرة مصطلح "الدعاية السوداء"، ثم كانت الحرب العالمية الثانية ميدان اختبار لأساليب الحروب النفسية المستحدثة حينها.

تعتبر ألمانيا النازية من أوائل الدول التى طورت مفهوم الحروب الدعائية والنفسية، وأبدى النازيون منذ بداية حكمهم اهتمامًا كبيرًا بمسألة الدعاية، اعترافا منهم بدورها فى وصولهم للسلطة حتى أنهم فى المؤتمر الحزبى الذى عقدوه فى نورمبرج عام 1936م رفعوا فى واجهة القاعة التى احتضنت المؤتمر شعار "الدعاية ساعدتنا فى الوصول إلى السلطة، والدعاية ستساعدنا فى الاحتفاظ بها، وستساعدنا على الاستيلاء على العالم"، واستحدث هتلر وزارة الدعاية السياسية، وأسندها إلى جوزيف جوبلز، مهندس الدعاية النازية ومبتكر مصطلح البروباجندا، وكان هتلر، من أوائل القادة فى التاريخ المعاصر الذين سعوا للتأثير الإعلامى الشامل على شعوب الدول الأخرى، وعلى سبيل المثال كانت البرامج الإذاعية التى تُبث باللغة العربية من برلين أهم عناصر الدعاية الألمانية فى الشرق الأوسط.

منذ خمسينيات القرن العشرين، بدأ التفكير جديًا فى تطوير وتحسين نظرية التأثير النفسى للإعلام وممارسته، فحاولت الولايات المتحدة الأمريكية الاستفادة من الخبرات المتراكمة من سنوات الحرب العالمية، وتأسس فى أمريكا ما عُرف بـ"مجلس الحرب النفسية"، وكانت مهمته تكوين واختبار الأساليب الجديدة فى هذه الحرب وإعداد الكوادر لها، وبعد انتخاب رونالد ريجان، رئيسًا لأمريكا، فى أوائل ثمانيات القرن الماضى أعيد النظر فى دور وسائل الإعلام فى العمليات النفسية وفى منظومة الأمن القومى الأمريكى، كما تم اختيار أساليب جديدة للتأثير النفسى الموجه إلى الجمهور فى الداخل والخارج وترسيخ استراتيجية جديدة للحرب النفسية الأمريكية.

الآن ومع تطور وسائل الاتصال استطاعت بعض الدول والجماعات توظيف الإعلام وتقنياته المختلفة فى حروب دعائية للنيل من استقرار دول أخرى، وفى الحالة المصرية عانت مصر كثيرًا - ولا تزال - من الحروب الدعائية منذ 30 يونيو 2013م، وأنفقت دولة قطر على سبيل المثال ما يقرب من ستة مليارات دولار على الحروب الدعائية الموجهة ضد مصر منذ منتصف 2013م حتى الآن تضامنا منها مع تنظيم الإخوان الإرهابى الذى قدمت له الدعم والرعاية والأموال بغير حساب، وكانت له الملجأ والمأوى بعد أن لفظهم الشعب المصرى فى ثورة شعبية مهيبة، وعلى نفس النهج تقدم دولة مثل تركيا الدعم اللوجستى للإخوان فى هذه الحرب وتفتح لهم أراضيها وتدشن عليها منصات إعلامية خبيثة توجه منها سهاما مسمومة للداخل المصرى.

هكذا تدور ماكينة الشائعات ليل نهار، مستهدفة الداخل المصرى بغرض التشكيك فى الروايات الرسمية للدولة وتزييف الواقع، وشغل الرأى العام بالأكاذيب التى تعتمد على أرباع وأنصاف الحقائق، بل وتُخلق من العدم فى كثير من الأحيان، وآخرها الحملة الممنهجة التى تشنها قناة الجزيرة فى قطر وقناتى الشرق ومكملين فى إسطنبول والذُباب الإلكترونى الإخوانى من عدة عواصم على الدولة المصرية للهجوم على قانون التصالح فى مخالفات البناء على الأراضى الزراعية والتعديات على أملاك الدولة، عشرات الشائعات والقصص والفيديوهات المفبركة طرحتها هذه القنوات فى سياق حملتها لمحاولة إثارة الرأى العام بالباطل والتضليل وتصوير الدولة المصرية كما لو كانت تقوم بهدم جماعى للمنازل وتطرد أصحابها وتهدم المساجد، وهذا كله لم يحدث.

اللافت أن هذه الحروب الدعائية الخبيثة تدار بمنتهى المهنية والتخصص ولها رجالها من صُناع الكذب وطباخى الشائعات ووراؤها تمويل كبير من أجل التقنيات الحديثة، والسؤال الذى يطرح نفسه: ماذا فعلنا نحن حيال هذه الحرب وبمن نحارب؟

الإجابة فى رأيى أننا نبذل جهدًا واضحًا فى هذا الملف ليس من الإنصاف إنكاره، لكن يبقى أنه ليس بكاف، فبعض رؤوس حرابنا الإعلامية ينقصها الكثير والبعض الآخر لا يصلح للعمل فى الإعلام من الأساس وليس للتصدى لقضية خطيرة كهذه، فإعلام أهل الشر يصنع الكذب بمنتهى الحرفية والدقة والإتقان وبين يديه دفتر شيكات قطرى من الممكن أن ينفق ملايين الدولارات على لقطة سينمائية قصيرة لا تتجاوز مدتها على الشاشة دقيقتين لتوظيفها فى هذه الحرب على أنها حقيقة، بينما نحن مع الأسف بعض من صدرناهم للرد فى هذا الملف للتصدى لأبواق الفتن هم من أصحاب الصوت العالى وقواميس الشتائم النادرة، وليسوا بالمستوى المطلوب ولو نحينا التمويل جانبًا فالشاهد أن العقول البشرية هى التى ترجح كفة المعارك بصرف النظر عن نوعية وكمية العتاد الذى معك أو مع خصمك، وإذا كانت للشر أدواته فيجب أن تتوفر للخير أدواته الأقوى التى تكبح جماح الشر، ومن ثم يجب التعامل مع العمل الإعلامى على أنه فن قائم بذاته وليس شقة مفروشة للإيجار بديكورات فخمة كل من يريد أن "يغِّير جو" يستأجر له يومين ويطل على الشاشة وكأنه يخرج "للبلكونة"، وحتى يبدو حماسيًا ووطنيًا لا بد له أن يشتم هؤلاء الذين يدبرون لنا المكائد، ظنا منه أننا بشتائمه سننتصر عليهم!

إعلام أهل الشر لن يموت بالشتائم ولا بالصراخ فى وجوه المشاهدين مثلما يفعل بعض جهابذة إعلامنا، وبالذهاب أبعد من ذلك فإعلام أهل الشر لن يخسر الجولة حتى لو خرج أحد إعلاميينا يبكى ويقسم للناس أنهم على باطل، ليس كافيا أن يكون الإعلامى مقتنعا أن خصمه على باطل، فمهمته الأساسية هى أن يثبت للمتلقى أن خصمه على باطل بالأدلة والبراهين الدامغة والتى تعددت بفعل التكنولوجيا إلى تسجيلات وصور وفيديوهات، والأهم أن يصدقه المتلقى، يجب أن أضرب الخصم فى مصداقيته لدى الرأى العام بكل السبل والحيل الممكنة.

أكبر أخطاء الإعلام المصرى، أن تترك الساحة لبعض الوجوه الزاعقة المفرغة من الداخل والتى لا تملك المهارة ولا الموهبة لاستيعاب خطورة الحروب الإعلامية التى تواجهها الدولة المصرية، وبنهج سطحى يتخيلون أنهم مؤثرون، والحقيقة أن إعلام الفتن فى الخارج يعيد تدوير ما يقولونه على أنه مادة للسخرية.

حتى يكون لدينا إعلام فاعل مضاد لتلك الحرب الخبيثة، علينا أن نغير بعض رؤوس حرابنا التى باتت أوراق محروقة، وتشجيع البعض الآخر ممن نتوسم فيهم الخير ونتعامل مع متخصصين من أهل الحجة والعلم الذين يمتلكون الموهبة ولديهم ملكات فى توظيف ما لديهم من علم فى سياق استراتيجية إعلامية قوية تغطى كل الجوانب المتعلقة فى التنافس الإعلامى مع إعلام الشر لكشفه، إعلام الحجة القوية هو الذى ينتصر.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز