البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
نصف قرن مضى على رحيل الزعيم الخالد جمال عبدالناصر، والحديث عنه يطول، خاصة أنه يصلُح بطل لكل الحكايات، لكننى سأتحدث هنا عن مصطلح "إعلام عبدالناصر" الذى تردد كثيرا خلال السنوات الخمس الماضية، فى سياق المقارنة بين ما يقدم الآن من إعلام و ما كان يقدم أيام جمال عبدالناصر ولا ننسى الجملة الشهيرة للرئيس عبدالفتاح السيسى فى كلمته، خلال تدشين محور تنمية قناة السويس، فى 5 أغسطس 2014، وهى "يا بخت عبد الناصر بإعلامه"، وهى الجملة التى كانت بمثابة بداية هجمة على "إعلام عبدالناصر" من قبل كتائب الشر الإعلامية فى الدوحة و لندن وإسطنبول، فقط لمجرد أن الرئيس السيسى أشاد بـ "إعلام عبدالناصر"، ليس معنى هذا أن إعلام عبدالناصر بلا أخطاء، ولكن الحكم عليه من منظور المكايدة السياسية فى دولة 30 يونيه 2013 كان حكما ظالما.

من وجهة نظر منتقدى عبدالناصر أنة كرَّس لما عرف فيما بعد بـ "إعلام الأنظمة" ودشَّن توظيفا جديدا للإعلام على خريطة النظام السياسى ارتكز على قاعدة الرأى الأوحد وعارض فكرة التنوع فى التوجهات ووجهات النظر ووحَّد الخطاب الإعلامى فالكل يتحدث فى نفس الموضوعات بنفس الطريقة والأسلوب، خاصة عند الحديث فى السياسة والاقتصاد، أما مساحة الاختلاف الوحيدة فكانت تترك فى الفن والرياضة.

قال المنتقدون، إن "إعلام عبد الناصر" كان أداة للدفاع عن الدولة، وأقول ما الخطأ فى ذلك؟! بل على العكس أرى أنه من المنطق أن يدافع الإعلام عن الدولة، وهذا الدور لعبه ولازال يلعبه الإعلام فى معظم دول العالم بما فيها الدول ذات الديمقراطيات الراسخة فقط الاختلاف يكون فى الطريقة والأسلوب ومستوى المهنية ونوع الرسالة الإعلامية "مباشرة أو غير مباشرة"، المهم أنه ليس عيبا أو جريمة أن تمتلك الدولة إعلاما يحميها ويحمى مقدراتها و مؤسساتها و مواطنيها، خاصة لو كانت دولة جديدة جاءت بعد ثورة على عصر استعمارى بغيض.

وُجِه لـ "إعلام عبد الناصر" اتهامات قاسية بداية من افتقاده للمعايير المهنية وصولا لتجريده من أى مِيزة، وفى تصورى أن هذا حُكم عام ينقُصه الصواب ويعلم الأكاديميون والمتخصصون صعوبة اللحظة التى يلجأون فيها للتعميم على الظواهر، وهو ما يجعل التعميم فى التنظير يبقى مجرد حالات نادرة.

لو تعاملنا مع "إعلام عبد الناصر" بموضوعية تأخذ فى الاعتبار الظروف التاريخية فى تلك الفترة، سيتضح لنا أن هناك مِيزات وعُيوب، نَجاحات و إخفاقات، ولو نظرنا للمِيزات فى الداخل المصرى، وقتذاك سنجد "إعلام عبد الناصر" بما فرضه من ضوابط قد حمى الوعى الجمعى من خطورة الإنفلات الإعلامى تحت شعار الحرية والتى كانت ستُعرقل جهود الدولة الجديدة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وبأبسط مثال على ذلك أن "إعلام عبد الناصر" حافظ على النَسق القيمى و الأخلاق العامة فى المجتمع، و كل ما يقال عن تقييد عبد الناصر لحرية الإعلام وإخضاعه لسلطته بهدف التمكين فيه قدر من المبالغة، فغيرُ منصِف من لم ير أن عبد الناصر كان محبوبا ولم يكن فى حاجة إلى تمكين بالإعلام، فلم يحقق عبد الناصر هذا الحضور الهائل ويكسب ثقة الملايين بالخداع وتزييف الحقائق، لو أن الأمر هكذا فمن ذا الذى يُدير استراتيجيته الإعلامية وهو ميت مُنذ نصف قرن ؟! عبدالناصر أحبه الناس حيا وميتا، منتصرا ومهزوما، لم يسع يوما إلى حشد الناس، فالناس هم من التفوا حوله من دون تحريض إعلامى.

من الظلم تجاهل أن "إعلام عبد الناصر" قاد خِطابا تنويريا بكل ما تحمله الكلمة، و أسَّس لحقبة خصبة من الإبداع فى شتى مجالات الآداب والعلوم و الفنون، عبدالناصر هو الذى أسس الإعلام المصرى بمفهومه الحديث، وبمؤسساته الكبيرة وفى تلك الفترة بظروفها السياسية والاقتصادية الصعبة لم تكن مصر دولة غنية بما يجعلها تفكر فى هذا الاتجاه، لكن عبد الناصر كان يؤمن بأنه لا يمكن لأى بلد أن يقف دون لسان إعلامى وهذا فى حد ذاته عمل يستحق أن يذكره التاريخ كإنجاز، فعبد الناصر هو الذى أسَّس صحيفة الجمهورية عام 1954، التى خرج ترخيص إصدارها باسمه "جمال عبدالناصر حسين".

وأسَّس هيئة الإستعلامات عام 1954، وأنشأ بها قسما خاصا لترجمة أحدث الكتب الأجنبية التى تصدر فى العالم ضم 20 مترجما كانوا يترجمون كل يوم كتابا جديدا يتلقف عبدالناصر نسختة الأولى، ويناقشه فى اليوم التالى مع المسؤولين المعنيين، كما أسَّس وكالة أنباء الشرق الأوسط عام 1956، ودشن فروعا لها فى إفريقيا، وأنشأ التليفزيون المصرى عام 1960، ليكون أول تليفزيون فى المنطقة ويقدم فى بداياته برامج شاملة من توعية وإرشاد للمزارعين وبرامج تعليمية وبرامج للأطفال وبرامج محو الأمية، وتم إنشاء مسرح التليفزيون الذى أحدث نهضة مسرحية كبيرة أظهرت الكثير من الفنانين الذين أصبحوا فيما بعد نجوما كبارا، كما لا يخفى أن "إعلام عبد الناصر" شهد ذروة مجد جيل هو الأعظم فى تاريخ الثقافة العربية، فتحت لهم الصُحف والإذاعات والتليفزيون لاحقا وخرجت إبداعاتهم علامات فارقة فى الثقافة العربية، ولو اخترنا على سبيل المثال برنامجا إذاعيا واحد من "إعلام عبد الناصر" مثل " حديث السهرة" فى إذاعة البرنامج العام يمكننا وصفه بأنه كان جامعة للمعارف يسمع من خلاله رموز التنوير وفى مقدمتهم طه حسين وعباس محمود العقاد وزكى نجيب محمود والدكتور محمد مندور وآخرون.

ولو تحدثنا عن الخطاب الدينى المستنير فى "إعلام عبد الناصر" فحتما سنتذكر البرنامج الإذاعى "حديث الصباح" عبر إذاعة القرآن الكريم التى أسسها عبد الناصر فى عام 1964، ففى هذا البرنامج كان المصريون يستمعون لأعلام الفكر الدينى المستنير وفى مقدمتهم شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت والدكتور محمد عبداللطيف دراز، الذى قاد الأزهر وخطب على منبره ومنبر الكنيسة القبطية فى ثورة 1919، والشيخ فرج السنهورى أحد أبرز علماء الشريعة وقتذاك، والدكتور محمد البهى وغيرهم.

على صعيد الوظيفة السياسية للإعلام، كان عبدالناصر مؤمنا بدور الإعلام ويعتبره سلاحه الآخر إلى جانب القوات المسلحة بإعتبارهما جناحى القوة المصرية، وكان يقول إن الإذاعات المصرية من أخطر الأسلحة ضد قوى الإستعمار، و لو كان "إعلام عبدالناصر" قد فرضت عليه الظروف السياسية أن يتبنى خطابا "تعبويا" مخالفا بعض المعايير المهنية المستقرة، فلا يخفى أنه رغم ذلك حقق إنجازات كبيرة، فى ظل الظروف السائدة فى تلك الفترة، فقد نجح على سبيل المثال فى أن يلعب دورا محوريا مهما فى دعم قوى المقاومة الوطنية فى البلاد العربية وفى آسيا وأمريكا الجنوبية وإفريقيا، حيث تحولت استديوهات الإذاعة المصرية فى تلك الفترة إلى غرف عمليات للمقاومة الوطنية فى هذه القارات، وكان القادة السياسيون فى تلك البلاد يوجهون نداءاتهم وتوجيهاتهم لقوى المقاومة فى بلادهم عبر أثير الإذاعة المصرية وبلغات هذه الشعوب.

والجدير بالذكر أن الإذاعة المصرية وقتذاك ضمت أكثر من ثلاثين إذاعة موجهة، و على سبيل المثال حينما عزل الاستعمار الفرنسى ملك المغرب محمد الخامس "جد الملك الحالى"، ونفيه كانت استديوهات الإذاعة المصرية قبلة الزعماء المغاربة للتنديد بما فعله الاستعمار حتى اضطر الأخير إلى إعادة الملك إلى عرشه ورحيل القوات الفرنسية عن المغرب، ولا ننسى أيضا أن البيان الأول لثورة الجزائر التى قادها بن بيلا ورفاقه انطلقت من استديوهات الإذاعة المصرية، وظلت الإذاعة المصرية الذراع الإعلامية لثورة الجزائر حتى النصر، كما يعلم العالم أن الإعلان عن بدء عمليات منظمة التحرير الفلسطينية انطلق من القاهرة بصوت الراحل ياسر عرفات وحفظت تلك الدول و خاصة إفريقيا الجميل لمصر، وفى أثناء وقوع حرب يونيه 1967 بين مصر وإسرائيل قطعت جميع الدول الإفريقية علاقاتها بإسرائيل رغم التغلغل الإسرائيلى والغربى فى تلك البلاد.

أنا هنا لا أدافع ولا أهاجم أنا أفنِّد حقائق محاولاً من خلالها طرح السؤال هل يناسبنا "إعلام عبد الناصر" أم نحتاج إلى إعلام جديد و أقولها وبمنتهى الصدق إننا بحاجة شديدة الآن لضوابط "إعلام عبد الناصر"، وظروفنا السياسية و الاقتصادية تقتضى أن نقدم إعلاما تعبويا يقف بجانب الدولة، فى ظل ما تواجهه من تحديات صعبة، ولا أبالغ لو قلت أن ظروفنا السياسية والاقتصادية ربما تكون أصعب من تلك التى خرج فيها "إعلام عبد الناصر"، نحتاج أن يفعل إعلامنا ما فعله "إعلام عبد الناصر" مع إنجازات الرئيس، وأقصد هنا التسويق السياسى عبر الإعلام فقد كان عبدالناصر يسوِّق لإنجازاته الكبرى عبر الإعلام مثل تأميم قناة السويس، وقانون الإصلاح الزراعى، وبناء السد العالى، والقضاء على الإقطاع وسيطرة رأس وقبل ذلك المشروع الاشتراكى، وهذا مطلوب وليس عيبا، ونحن الآن فى أمس الحاجة لأن نسوِّق لخطواتنا فى بناء وطن مرَّ بظروف صعبة وتحديات جِسام وقاوم و بدأ فى النهوض، على أن يتم هذا التسويق عبر إعلام حديث يتمتع بالحرية المسؤولة والمهنية فى وقت الكُل فيه يراقبنا و يتصيَّد لنا الأخطاء.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز