د.حسام فاروق
والمراسل المتميز، هو الذى يحقق السبق، ومن ثم فالمراسل مكانه الميدان، وليس الغرف المكيفة البعيدة عن أرض الحدث.
لكن يبدو أننا فى زمن العجائب، فربما للمرة الأولى فى حياتى المهنية التى تمتد لما يقرب من ربع قرن فى العمل الصحفى، أجد مراسلًا يغطى الأحداث وهو فى قارة، والحدث الذى يغطيه فى قارة أخرى!.. نعم هذا ما يحدث بالفعل فى صحيفة الجارديان البريطانية، وهى تغطى الشأن المصرى، فمراسلة الجارديان فى القاهرة، روث مايكلسون، مطرودة من مصر منذ 20 مارس الماضى، على خلفية نشرها لتقرير مغلوط حول أرقام الإصابات بفيروس كورونا المستجد فى مصر، قالت إنها استندت فيه إلى ما وصفته بدراسة لعلماء فى جامعة تورنتو.
والحقيقة أن ما استندت إليه كان "شبه بحث" ضعيف لطبيب أمراض معدية كندى، اسمه إسحاق بوجوش، وليس مجموعة من العلماء كما زعمت، ولم يرق إلى منزلة الدراسة بشهادة صاحبها الذى اعترف أنه حاول نشر دراسته المزعومة فى إحدى المجلات العلمية فرفضت معللة ذلك بأنها تفتقد للمصادر الموثقة، فاضطر إلى نشرها على حسابه فى تويتر، وتلقفتها روث مايكلسون، على أنها دراسة علمية موثقة.
كان بوجوش قد زعم أن الحكومة المصرية تكذب فى حديثها عن أرقام الإصابات بفيروس كورونا المستجد، وأن الأرقام الحقيقية تقارب 19300 إصابة، فى حين أن الحكومة كانت تعلن وقتها أن الرقم لم يتجاوز 200 حالة إصابة.
الغريب أن بجوش نفسه تراجع عن الرقم، وقال إن المرجح أن عدد الإصابات 6000، وهذا أيضا رقم غير صحيح، لكن المؤكد أن من يقول 19300 ثم يخفض الرقم لـ 6000 يثبت لك "كمتلقٍ للمعلومة" أنه ليس مصدر ثقة.
الخلاصة أنه منذ هذه الواقعة فى منتصف مارس الماضى، ومراسلة الجارديان ألغى تصريح عملها فى مصر، وغادرت مجبرة، ومنعت من دخلوها ثانية، لكن الغريب و الشىء العجيب، أن مراسلة الجارديان لازالت تكتب موضوعاتها عن مصر من موقع المراسل، وهى فى لندن، شىء أقرب إلى "شغل العفاريت"، فقط كل ما تغير أنها بدلا من أن تكتب القاهرة – روث مايكلسون، حذفت كلمة القاهرة، وتكتب اسمها فقط.
وحين تطالع ما تكتبه تجد أنها تتحدث كما لو كانت فى مصر تلتقى مع أشخاص، وتقول إنهم من موقع الأحداث، وطبعًا تقول رفضوا ذكر اسمائهم، وكعادتها تواصل حديثها المضلل، ورواياتها المغلوطة حول قضايا الداخل المصرى، ولم تتوقف عن زرع بذور الفتنة حتى وهى فى قارة أخرى!.
ولا نعلم هل مطلوب من القارىء لصحيفة الجارديان أن يصدق مراسلتها وهى تفتقد لأبسط قواعد المهنية باعتبارها تتحدث عن أحداث هى لم ترها، ولم تغطها من موقعها بما يؤكد توجهها العدائى الواضح.
روث مايكلسون على سبيل المثال، نشرت الإثنين الماضى، تقريرا ادعت فيه أن الدولة المصرية مستمرة فى قمع واستغلال الشعب رغم الظروف الاجتماعية التى يعانى منها، وارتفاع نسب الفقر، والتهميش، خاصة بعد تداعيات أزمة فيروس كورونا المستجد، وأن الشرطة المصرية قمعت المظاهرات الأخيرة التى جابت المحافظات، ولا نعرف عن أى مظاهرات تتحدث، فنحن سكان القاهرة، ولدينا أهل وأصدقاء فى مختلف محافظات مصر لم نسمع أو نرى أى مظاهرات حاشدة كما تدعى، فالمشهد لم يخرج عن كونه تجمع صغير لعشرات الصبية يتنقلون فى موقعين أو ثلاثة، ويتم تصويرهم أكثر من مرة على اعتبار أنهم فى الجيزة، ودمياط، والأقصر، والبدرشين، وهم أنفسهم بملابسهم ما خُطط منها وما نُقط، لكن شاشات تليفزيونات الإخوان فى الدوحة، وأسطنبول، ولندن، اعتبروها مظاهرات حاشدة، ولو بنفس الكومبارس من الصبية.
ما يلفت النظر ويؤكد على التواصل غير المقطوع بين روث مايكلسون مراسلة الجارديان والتنظيم الدولى لجماعة الإخوان الإرهابية، أن نفس الموضوع الذى كتبته الإثنين الماضى بنفس العنوان والجمل والمفردات، نشره قبلها الباحث الإخوانى خليل العنانى، فى موقع ميدل إيست آى البريطانى، تحت عنوان "انتفاضة الفقراء فى مصر هى تهديد حقيقى للسيسى"، ولمن لا يعلم فموقع ميدل إيست آى منصة إلكترونية إخوانية انطلقت من لندن بتمويل قطرى فى يناير 2014، يترأس تحريره ديفيد هرست، أحد كبار كتاب القسم الخارجى فى جريدة الجارديان، وهو الآخر ممنوع من دخول 6 دول عربية، من بينها مصر.
أما تأسيس الموقع والدعم اللوجستى له فكان مهمة جوناثان باول، المسؤول عن المشاريع فى قناة الجزيرة القطرية، وأحد مدراء الجزيرة الناطقة بالإنجليزية.
اعتقد يبدو الأمر واضحًا أننا أمام شبكة متداخلة من العلاقات والمصالح، من بين أوضح أطرافها التمويل القطرى والعناصر الإخوانية، ومن ثم فلا أظنها صدفة، أن تعيد مراسلة الجارديان تدوير القمامة القطرية عبر صحيفتها أو بالأحرى صفيحتها، فخليل العنانى، أحد أبرز كتاب الجماعة الإرهابية الذين عهد إليهم التنظيم مهمة التنقل بين الصحف والقنوات الأجنبية للإساءة للدولة المصرية ولمؤسساتها، ورموزها، وتشويه أى إنجاز تحققه على الأرض، شأنه شأن بقية القطيع ممن على شاكلته، أمثال يحيى حامد، وعمرو دراج، ومحمد صلاح سلطان، وهى نفس المهمة التى تقوم بها روث مايكلسون، حتى ولو بشكل غير مباشر، وطبعا الحساب فى الأخير تدفعه قطر، فالعنانى يعمل باحثا فى معهد الدوحة للدراسات، وباحث زائر فى معهد بروكينجز واشنطن الذى دشنت قطر نسخة منه فى الدوحة عام 200، تحت إشراف الإسرائيلى القطرى عزمى بشارة، عضو الكنيست السابق، ومؤسس شبكة إعلام الإخوان فى لندن "تليفزيون وصحيفة وموقع العربى الجديد" وصديق تميم بن حمد، أمير قطر، وأحد أهم مستشاريه.
ما يثير الغرابة والدهشة من العقول الإخوانية البالية لاسيما التى تعمل منها فى الإعلام، أنها تعتنق نظرية الوهم، وتؤمن بها إلى أقصى درجة، حتى أنها تنسج السيناريوهات التخيلية وتعيشها وتتفاعل معها بكل أريحية، وبالتالى ينفصلون تدريجيا عن الواقع مهما حاولت إقناعهم بالحقيقة، فهم مؤمنون بفكرتهم الوهمية ومخلصون للدولارات التى يتلقونها نظير هذا الإيمان.
فعلى سبيل المثال، خليل العنانى، وروث مايكلسون، تحدثا عن تظاهرات حاشدة فى مصر فى الوقت الذى كانت الشوارع بالفعل خالية، والناس تمارس حياتها الطبيعية، لكنهم يجادلون على طريقة "العلبة فيها فيل"، وخليل العنانى وصف المقاول الكومبارس جليس الحانات، ورفيق فتيات الليل فى إسبانيا، بأنه رجل الأعمال المنفى، ومفجر الثورة، فى حين هو مجرد سكير عربيد هارب من مصر، وحتى روث مايكلسون نفسها أشارت إلى المقاول الكومبارس، يقود حراكا، وأنه أيقونة جديدة، وهذا يؤكد لك مدى إخلاص كل أفراد هذه الشبكة الإخوانية فى الإعلام الأجنبى لهدفهم، طالما ظل الكفيل فاتحا لكيسه، ويغدق عليهم بالدولارات.
بالمعنى الواضح، إننا أمام حالة شراء واضحة للإعلام بهدف سياسى، وبناء عليه، لا تتعجب من أن تكتب مراسلة الجارديان المطرودة من مصر من موقعها فى لندن على أنها تغطى الحدث من القاهرة.