د.حسام فاروق
الآن العالم كله بات مفتوحا على بعضه، توارت أو اختفت لافتات القماش العريضة المثقوبة وأغلق الخطاطون أكشاكهم وظهرت اللافتات البلاستيك "البانر" المصممة بالكمبيوتر وعليها صور المرشحين فى أبهى حلة ولا تخلو من لمسات "الفوتوشوب"، لم نعد فى حاجة للسؤال عن المرشح الفلانى، "فعلى النت" ستتعرف على المرشح وتكلمة و"تاخد وتدى معاه"، مثلما قال عماد و"على النت" أيضًا ستعرف سوابق أعماله وبطولاته وأمجاده وأيضا فضائحه ونزواته وتسريباته والحكايات التى تقال والتى لا تقال.
يلجأ المرشحون اليوم إلى شبكة الإنترنت لما لها من قاعدة جماهيرية عريضة وتأثير واضح مرتبط بلا شك بارتفاع أعداد المستخدمين، ولاقتناع المرشحين بأنهم عبر هذا الواقع الافتراضى سيصلون للناخب أينما كان وفى أى وقت.
لقد أحدث التطور التكنولوجى الرهيب الذى اجتاح مجال الاتصالات والإعلام نقلة نوعية فى كل الممارسات القديمة التى اعتاد عليها الناس ومن ضمنها الانتخابات، وعرف الناس على اختلاف أعمارهم وأجناسهم وفئاتهم وثقافاتهم صناعة جديدة هى السوشيال ميديا، التى دخلت فى كل مناحى الحياة، فى التجارة والصناعة والسياسة والفن والرياضة والطبخ وكل ما يستجد من أنشطة حياتية وبأقل الأسعار، فليس خفيا أن انخفاض تكلفة استخدام مواقع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعى يجعلها وسائل اتصال شعبوية مهمة وفاعلة فى تحقيق الأهداف.
يبدأ تأثير الإنترنت على مستخدميه بالتأثر البسيط وينتهى بالحشد والاعتقاد وتبنى اتجاه بعينه ينتج عنه سلوك بعينه، وفى انتخابات مجلس النواب التى تجرى فى مصر حاليًا على سبيل المثال، مثلت الحملات الدعائية عبر الإنترنت متغيرًا مهمًا فى تاريخ الانتخابات، كل ما على المرشح أن يذهب إلى إحدى شركات الدعاية المتخصصة على الإنترنت ويتعاقد معها على إدارة حملته الانتخابية إلكترونيًا عبر صفحات التواصل الاجتماعى "فيسبوك وتويتر، إنستجرام ويوتيوب.. خلافه"، من أجل تقديم نفسه إلى أبناء دائرته وعرض أفكاره وتطلعاته وبرامجه.
لم يتوقف الأمر عند حد الدعاية للمرشح، ولكن هناك نوع آخر من الدعاية يروق لبعض المرشحين يندرج تحت نموذج الدعاية السوداء، التى من خلالها توجه السهام للمنافسين تحت مسميات كثيرة فى حملة تكسير عظام صريحة تنال من البعض لحساب البعض الآخر وتلعب التقنيات الحديثة فى الصوت والصورة دورًا كبيرًا فى مثل هذه الدعاية.
اختفت السرادقات الطويلة والميكروفونات و"الكهارب" وفراشة الحاج فلان والمسيرات والمؤتمرات الزاعقة وتجمع العصبيات والأقارب والزفة الشعبية للمرشح، وكلها أمور تحتاج إلى ميزانيات ضخمة مقارنة بوسائل التواصل الاجتماعى وشبكة الإنترنت، هذا إلى جانب اختصار الوقت، فالمؤتمر الانتخابى الذى يخصص له المرشح يومًا كاملاً بإمكانه اختصاره فى الفيديوهات القصيرة التى قد لا تستغرق دقائق على اليوتيوب.
أصبحت الحملات الانتخابية على الإنترنت صناعة مطلوبة حتى ولو كانت موسمية لكنها فرضت نفسها وأصبح لها "صنايعية" متميزون فيها، ولا يخفى أيضًا أن جودة أى صناعة مرتبطة بكم الإنفاق عليها، فهناك صلة واضحة لا محالة بين المال المخصص للانتخابات وحجم وجودة الدعاية وربما هى نفس العلاقة بين المال السياسى والإعلام الجديد.
هذا الحراك الإلكترونى له مزاياه وعيوبه، من مزاياه على سبيل المثال حالة الجدل العلنى بين الناخب وأبناء دائرته، والتى يفهم منها أن الناخب يقرأ كل صغيرة وكبيرة يكتبها أى شخص من أبناء دائرته ويرد عليها ويدخل فى نقاش حولها ويصطدم ويتصالح ويعد ويعلن ويطرح أفكاره وعروضه التى تكون أمام الجميع وكأنها وثيقة على الناخب حال لم يلتزم بما وعد به، وهذه الطريقة للتواصل بين المرشحين والناخبين أكثر فاعلية وتتيح حوارًا مختلفًا وصريحًا ومباشرًا، يكون له بالغ الأثر على كل من يتابع هذه الصفحات وبها يستطيع أن يحكم على المرشح.
اللافت للنظر أيضًا أن شركات الدعاية المتخصصة على الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعى تواكب أحدث التقنيات التكنولوجية فى هذا الاتجاه، والتى قلبت الموازين فى مجال الدعاية ومكنت المعلنين على اختلاف توجهاتهم ومجالات أعمالهم، بمن فيهم المرشحين للانتخابات من التجويد وتقديم أنفسهم فى أفضل صورة والوصول للجمهور المستهدف بمنتهى السهولة، فالآن بإمكان المرشح أن يختار قطاع معين من الجماهير المراد مخاطبتهم وتحديد الفئة العمرية لهم والمناطق التى يعيشون فيها، وإلى حد كبير بات واضحًا أن مساحات الواقع الافتراضى أو السيناريوهات التخيلية تحولت إلى واقع حقيقى وتنجح الدعاية الجيدة عبر الإنترنت فى كسب مؤيدين وناخبين ممن استهدفتهم.
أما أبرز عيوب التواصل الإلكترونى بين طرفى العملية الانتخابية "المرشحين والناخبين"، تكمن فى مصداقية الوسيلة، فمن الصعوبة بمكان التحقق من كل ما يتم التواصل به عبر الإنترنت من معلومات وبيانات وصور، فى الوقت الذى أصبح فيه الكذب صناعة لها روادها وميزانياتها الكبيرة وأصبح من السهل جدًا إجراء حملات تجميل أو تشويه لأى شخص أو جهة طالما توفر المال والتكنولوجيا، ومن ثم فحتى لو كان هناك اعتماد على الدعاية الإلكترونية من الأصلح للمرشح أن يخصص مساحة من وقته للقاء أبناء دائرته وجها لوجه، ومن الأصلح للناخبين أن لا يأخذون كل ما يلقى على أدمغتهم وأعينهم عبر الشبكة العنكبوتية على أنها معلومات موثوق فيها.
كما أنه ليس من المنطق أيضًا أن نطالب الناس فى ظل هذا الاجتياح الرقمى أن يكفوا عن التواصل الإلكترونى، فمن الواضح أن هذا التحول الكبير نحو استخدام المرشحين لمواقع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعى فى حملات الدعاية الانتخابية، هو تحول منطقى، فأجهزة الهواتف الجوالة التى تقدم خدمات الإنترنت أصبحت فى كل يد حتى بين أبناء الطبقة الفقيرة، والآن بإمكانك أن تصدق الجملة التى تقول "لا يوجد شخص فى مصر ليس لديه هاتف محمول".
الشاهد أن التطورات الأخيرة فى استخدام الإنترنت فى مجال الدعاية الانتخابية، سيظل - حتى إشعار جديد من عالم التكنولوجيا الذى يفاجئنا كل فترة - متغيرًا مهمًا له تداعياته المؤثرة، وربما يتسبب فى تغيير بعض المفاهيم القديمة وتوفير فرص وإظهار وجوه وإخفاء وجوه لأنه يضع المتنافسين أمام تحد واحد مهما كانت مواقعهم ونفوذهم.