د.حسام فاروق
السراج لوَّح بالاستقالة لامتصاص غضب الشارع الليبى، المنتفض ضد حكومته وفشلها فى إدارة الأزمات، التى تراكمت على مدار سنوات عملها، محاولا إخماد حراك كبير فى طرابلس وضواحيها والسيطرة على الشارع الذى ضاقت به الحياة فى بلد كان يوما من الأيام غنيا بثرواته، بمعنى أن قرار الاستقالة كان مجرد ورقة لعب سياسية انتهى مفعولها لا أكثر ولا أقل، أما السراج نفسه فهو باق فى منصبة سواء برضاه أو بقوة الدفع من دول خارجية تريده موجودا كأى قطعة ديكور فى نظام سياسى فاقد للشرعية حتى تكتمل الخطة ويجنى المخططون ثمارها.
ولا يمكن تفسير قرار السراج بالعدول عن الاستقالة وتحليلة دونما ربطه بزيارة السراج لتركيا، ولقائه الرئيس التركى رجب طيب أردوغان وهاكان فيدان رئيس الاستخبارات التركية، فعندما أعلن السراج نيته الاستقالة قبل شهر ونصف تقريبا سادت حالة من التفاؤل الحذر، لكن يبدو أن الخبر لم يرق لتركيا حيث عبر أردوغان وقتذاك عن استيائه من الاستقالة، لأنها إن حدثت بلا شك ستنعكس سلباً على الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية، غير القانونية التى وقعتها تركيا مع حكومة السراج فى نوفمبر 2019 لذا مارست تركيا حملة ضغوط على رئيس المجلس الرئاسى لعدوله عن قراره بالاستقالة وقد كان ونجحت هذه الضغوط.
السراج برر تراجعه بأنه استجابة للطلبات الملحة الداخلية والخارجية حتى لا يحدث فراغًا سياسيًا، لكن الحقيقة بالطبع غير ذلك، فخروج السراج من المشهد سيحدث إرباكا للخطط التركية المدعومة قطريا فى ليبيا والتى تعتمد فى المقام الأول على المليشيات وعناصر الاخوان هناك.
دائما تشم رائحة تركيا فى أى رياح غير طيبة تهب على المنطقة، وفى الحالة الليبية من مصلحة أنقرة إبقاء الأوضاع على حالة الفوضى وعدم الاستقرار وهذا أيضا يفسر تعليق أردوغان على ما توصلت إليه مباحثات جنيف حول وقف إطلاق النار بين طرفى النزاع فى ليبيا قبل أسبوعين تقريبا، حينما أعرب عن تشاؤمه إزاء الاتفاق، واصفا إياه بـ "ضعيف المصداقية" وأنه لا يعتبر أن له مصداقية كبيرة، ولا غرابة فى ذلك فأى اتفاق لتهدئة الأوضاع فى ليبيا سيكون ضعيف من وجهة نظر أردوغان الذى أشار إلى أن الجانب التركى لا يعلم مدى صحة التوافق بين طرفى النزاع على انسحاب جميع المرتزقة والقوات الأجنبية من البلاد فى غضون ثلاثة أشهر، والحقيقة أن أردوغان هنا هو المقصود فهو من أرسل المليشيات والمرتزقة إلى ليبيا والسراج صدق على ذلك وبارك واستقبل ومن ثم فمن مصلحة تركيا الإبقاء على السراج فهو رجلها فى ليبيا ولها فى وجوده مآرب كثيرة وأهداف لم تتحقق بعد.
كانت قناة العربية قد ذكرت وفقا لما وصفتهم بالمصادر أن تركيا والإخوان ودولاً أخرى - لم تسمها - تسعى لتقليص الدور المصرى فى ملف ليبيا، وأنا أتفق تماما مع ما ذكرته "العربية" وأثق فى مصادرها، وهنا كما يقولون "مربط الفرس"، فوجود مصر فى المعادلة الليبية يحدث إزعاجا كبيرا لمثلث الشر فى ليبيا وأضلاعه أردوغان والإخوان وثالثهم قطر التى تلعب دور دفتر الشيكات الممول لكل الخطط والمؤامرات فى المنطقة.
الأزمة بالنسبة لهذا الثلاثى مع مصر تمثلت فى الدور المصرى فى المنطقة، فمصر أعلنتها صراحة أن القضية الليبية "أمن قومى"، وتعاملت مع الملف بدبلوماسية حكيمة وصبر وسعت ولا تزال إلى تسوية شاملة تضمن وحدة وسيادة الأراضى الليبية، لكنها عندما استشعرت الخطر، على الجارة ومن ثم على الأمن القومى المصرى أعلنت وبكل وضوح أمام العالم أنها لن تسمح بتفتيت ليبيا، أو نشر الفوضى فيها عن طريق المرتزقة الذين أرسلتهم أنقرة على نفقة كفيلها القطرى للحرب مع حكومة الوفاق فى مواجهة الجيش الوطنى الليبى، ودعت مصر إلى وضع حد للتدخلات الأجنبية غير الشرعية التى تسهم فى تفاقم الأوضاع الأمنية وتزيد من الفرقة بين الليبيين وتغذى الخلافات بشكل قد يتطور إلى حرب أهلية فى أى وقت والحقيقة أيضا أن هذه الدعوة المصرية موجهة صراحة ضد الوجود التركى القطرى فى ليبيا.
وبعد جولات من الدبلوماسية الهادئة كشَّرت مصر عن أنيابها ورسمت خطا أحمر لأردوغان، عند "سرت - الجفرة" وأعلنت أن أى تعد للخط، ستقابله بكل قوة، ولم يكن أمام أردوغان ومستشاريه إلا التصريحات الفارغة التى تخاطب الداخل التركى ولم يجرؤ على تعد الخط، لأنه يعلم جيدا قوة مصر ورد فعلها وما سيحدث له لو وسوس له شيطانه ليقترب.
لا أستبعد التحركات التركية التى تسعى للحد من تأثير الدور المصرى فى الملف الليبى، ولو شئت توصيف هذه التحركات بلغة السياسة فهى الغباء بعينه فأردوغان الذى بينه وبين ليبيا عشرات الآلاف من الأميال يتخيل أنه يستطيع أن يعزل مصر عن ملف رئيسى مرتبط بأمنها القومى يخص جارة ملاصقة على امتداد حدودها الغربية!
كان أردوغان يريد وضع قدم فى غاز المتوسط عبر اتفاق مشبوه مع فايز السراج ويخطط أن تحل له ليبيا بمواردها النفطية أزماته الداخلية بعد تراجع الليرة لأدنى مستوياتها فقام على مرأى ومسمع من العالم، بنقل الآلاف من المرتزقة إلى ليبيا، لدعم حكومة الوفاق، والمليشيات التابعة لها، من أجل السيطرة على الهلال النفطى الليبى، وشرع فى إبرام الاتفاقيات وسرقة الدولة لصالح نظام عثمانى يحن دائما لماضيه الاستعمارى البغيض، لكن مصر استطاعت كبح جماح تطلعاته الاستعمارية فى شرق المتوسط وليبيا، وفرضت عليه حصارا فى الإقليم، حتى تأكد له أن القاهرة حجر عثرة أمام مخططاته وأن خروج السراج من المعادلة سيربك حساباته لا سيما أن المجلس الرئاسى، المنتهية ولايته، مدعوم من المليشيات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم الإخوان الذى وجهت له مصر الضربة القاضية بثورة 30 يونيو 2013.
وكان أردوغان يخطط لوضع قدم فى مصر بمباركة من التنظيم ومرشده فى السنة السوداء التى وصلت فيها الجماعة لحكم مصر فى غفلة من الزمن وجاء أردوغان سريعا إلى مصر فى 2012 للاتفاق على تفاصيل شراكة خبيثة لم تتم مع الإخوان، حيث وجهت ثورة المصريين فى 30 يونيو صفعة له ولجماعته حتى قبل أن يفكر فى آلية تنفيذ هذا المخطط، ومن ثم فهو لم ينس لمصر والمصريين هذه الضربة وكان عليه تبديل الخطط والمواقع فأراد أن يعقد صفقة قرن مع إخوان ليبيا للتنقيب عن الغاز فى ساحل البحر المتوسط، لكن حتى هذه لم تسمح له مصر بها، حيث إن الوجود التركى فى ليبيا بأى شكل أو مسمى هو وجود للفوضى فى الجارة الليبية وليبيا أمن قومى مصر لن تسمح أبدا بالفوضى على حدودها الغربية، ولذلك يبذل أردوغان ومعه جماعته "الإخوان" ومن خلفهم المال القطرى الراعى الرسمى للتنظيمات الإرهابية محاولات مستميتة للحد من الدور المصرى فى القضية ولن يفلحوا، لأن التاريخ والجغرافيا يقولان إنهم حتما سيفشلوا، بيد أن الإخوان بعمرهم لن يتعلموا من التاريخ ولن يستوعبوا الجغرافيا بدليل أن أردوغان قطع آلاف الأميال من بلاده إلى ليبيا زاعما "بعمى" أن بين بلاده وليبيا حدود بحرية !.