د.حسام فاروق
هذه حقيقة فقد أصبحنا فى عصر صار فيه كل مَن يحمل هاتفاً حديثا، أو يجلس أمام لوحة مفاتيح إعلاميا كبيرا وخبيرا استراتيجيا ومحللاً سياسيا ومخبراً وسفيرا ودكتورا و...... وبلا مال أو حزب أو مؤسّسة، فقط هاتف محمول، يستطيع أى شخص أن يراسل العالم فى أى وقت.
فكلُ يرى فى نفسه إعلاميا كبيرا، هو مُدير نفسه ولا سلطة لأحد عليه، يرسل ما يدور فى خاطره، مهما كان الطرح الذى يلقيه، ويستطيع أيضا فى أى وقت أن يعدل أو يضيف فى رسالته إذا أخطأ فى معلومة أو شعر برغبة فى التجويد، ومن ثم فعنصر الوقت فى العملية الاتصالية بهذه الطريقة قد مات، ففى الإعلام التقليدى قد تستغرق عملية التعديل هذه يومين أو يوم أو بأقصى سرعة عدة ساعات، فما يمكن أن نسميه مجازا الإعلام الجديد أو الإعلام الاجتماعى يُجهَّز ويُقرأ ينقل فى أى وكل وقت، ولا توجد فيه نخبة متحكمة أو قادة إعلاميين، ولا يعرف حدودا زمانية ومكانية، ويصعب فيه التفرقة بين المرسل والمستقبل مع تنوع المحتوى المتداول بحرية مفرطة، ما جعله يتميز بعدة خصائص مقارنة بالإعلام التقليدى، وهو ما مكنه من منافسة الإعلام التقليدى فى العديد من القضايا والأحداث، والمنافسة هنا بالتأكيد ليست فى المحتوى بقدر ما هى فى السرعة والسبق والتشويق المطروح وربما آخر عنصر يأتى فى المنافسة هو المصداقية! فصحف وإذاعات وتليفزيونات كبيرة وعريقة فى العالم الآن باتت تستقى عناوينها وتبوّيب أقسامها تبعاً لحجم تداولها فى الإعلام الاجتماعى، بغض النظر عما يطرحه الأخير من مضامين حتّى لو كانت كاذبة أو تتضمن فضائح وتشهير، فإنّ على الإعلام التقليدى فى عصر السرعة أن ينقله كخبر من الصعب تجاهله.
ويبدو أن صناع الإعلام التقليدى الراسخ فى القدم أدركوا جيدا أنهم أمام تطوّر لا يُصد ولا يُردّ، مهما ما كان رأينا فيه أو تقييمنا له، تطوّرٌ لا يقف أثره عند حد، فاضطروا إلى الاستعانة به وفقا لما يجعله مكملا إعلاميا لمضامينهم وقوالبهم التقليدية لا منافسا لها، وصار الأمر أشبه بالغزو الصريح للإعلام كمهنة لها ضوابطها ومشتغليها، وكوسيلة معرفية مناط بها دور خطير فى عملية التنشئة بنوعيها الاجتماعية والسياسية.
حتى الآن، لا نستطيع الوقوف على تعريف علمى محدد ودقيق لمصطلح الإعلام الجديد، فله مرادفات عدة بحسب الظرف الاجتماعى والسياسى الذى تتم فيه عملية الاتصال فى كل بلد، لكن ما نكاد نجزم على تحديده أن له أدوات ضرورية يتم من خلالها الولوج إلى عالمه كتوفر جهاز حاسب آلى (هاتف ذكى، وجهاز لوحى) وتوفر خدمة الإنترنت وإنشاء حساب على مواقع التواصل الاجتماعى (فيسبوك، وتويتر، واليوتيوب، المدونات) وغيرها من المواقع الاجتماعية الإلكترونية النشطة والتى تشكل رقما يصعب تجاهله فى العالم الافتراضى.
لقد أثار الإعلام الجديد إشكاليات عدة بدء من مسماه أو وصفه بالاجتماعى، فالخطورة هنا أنه شئنا أم أبينا إعلام يصل للمجتمع بكل طبقاته وطوائفه وشرائحه وثقافاته ومن ثم فهو "اجتماعى" برضانا أو بغير رضانا ويخاطب الجميع وهناك سهولة فى التواصل بين المرسل والمتلقّى، والمدى مفتوح لشيوع الكلام، لكنّ تبقى علامة استفهام كبرى تلفّ الأحداث التى تجمعنا ونجتمع حولها، تتمثل فى أنّ تصنيف أهميّة الأحداث وأولوياتها ينبع، من اعتبارٍ شخصى جداً لا تحكمه ضوابط وتنعدم معه المعايير القيمية لأنه ببساطة صانع الرسالة هنا ليس إعلاميا والإعلام ليس مهنته، فقد تجد نفسك على سبيل المثال متفاعلا فى ساعة متأخرة من الليل مع منشور لو فتشت عن صاحبة ستجده يعمل فى أى مهنة أخرى لا علاقة لها بالإعلام قد يكون تاجر خردوات أو حارس عقار أو " عاطلا" لا يعمل لكنه وجد سوقا يعرض فيه زبائنه بالملايين، وهذه الأرقام الكبيرة جدا لعدد من يستقبلون ويرسلون فى الإعلام الاجتماعى على مدار الـ 24 ساعة تجعلنا أمام توقع قادم لا محالة بزوال الإعلام التقليدى، أو فى أفضل الأحوال ببقائه مريضا كرجل عجوز قعيد على كرسى متحرك فى حجرة مظلمة ضمن منزل ملىء بالحجرات الصاخبة بالأصوات والأضواء فهل تنتظرون، أن يطرق أحدا باب العجوز المريض ليطمئن عليه ؟ ويترك الألوان والبهارج الخداعة ؟ لا أعتقد.
من ضمن أبرز الاشكالات أيضا التى يطرحها الإعلام الاجتماعى موضوع الأخبار الكاذبة والشائعات الذى انتشر بشكل كبير عبر التوظيف السياسى للإعلام، فهناك أهداف سياسية من اختراق المجتمعات بمثل هذه المعلومات المضللة بأدوات مستحدثة عرفت طريقها للعقول والأعين عبر فضاء إلكترونى مستباح لا حسيب ولا رقيب عليه، ومن ثم دخل الإعلام الاجتماعى أيضا فى لعبة الحروب الدعائية وأجيالها المختلفة.
الترويج للأخبار الكاذبة ليس قاصرا على الهدف السياسى فحسب بل قد تتعدد الأهداف من ورائه حتى نصل إلى مرحلة الترويج للكذب بلا هدف بما يمكننا وصفه ب" فضاء حال فى فضاء مفتوح"، فكل من له طموح لم تسعفه امكانياته وظروفه لتحقيقه قرر أن يحققه عبر الإعلام الجديد وكل من له مشروع لم يكتمل على أرض الواقع قرر أن يكمله عبر يوتيوب وفيسبوك وتويتر وكل من يرى فى نفسه أنه خفيف الظل يطل علينا طلبا فى "اللايك" و"الشير"، ونرجع لنقول أن كل هذا يرتبط بالدرجة الأولى بأخلاقيات وضوابط مهنة الإعلام التى تعد جوهر عملية الاتصال، والنشر الإلكترونى أصبح رغما عنا نشرا إعلاميا لما له من تأثير فى مختلف شؤون الحياة، والشاهد أن أخلاقيات الإعلام فى زماننا هذا لا تحكمها القوانين والأنظمة، وإنما نابعة من روح المسؤولية الذاتية لناشرى المعلومات والأخبار، وأهدافهم وأجنداتهم.
ومن ثم سنظل ندور فى فلك يمسك فيه عجلة القيادة أناس لا يملكون من الأساس رخصة قيادة، وبالتالى لن نسلم من الصدامات والصدمات المتكررة.