البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
عندما انفتح العرب على بلاد "الخواجات" قبل مئات السنين وجدنا حالة انبهار لا مثيل لها بكل شىء لدى العجم، وكان أول ما انبهر به الرجال - وربما إلى الآن - الشعر الأشقر والبشرة البيضاء والعيون الزرق، لدرجة أن الرجال تركوا نساءهم وتزوجوا من نساء العجم، وكانت نقطة البداية لعقدة الخواجة التى أصابت الكثيرين جراء الانفتاح على بلاد الأعاجم بيد حواء.

عندما جاء عصر الاجتياح التكنولوجى والسماوات المفتوحة وما ترتب عليه من دخول الإعلام الموجه من الخارج بمختلف وسائله وطرائقه لاحظنا أن هناك جهدا منظما يعمل تدريجيا على تغيير الهوية والثقافة العربية عبر الإعلام، وذلك بداية من وسائل الإعلام الأجنبية التقليدية التى اكتسبت شهرة وذاع صيتها مثل وكالات الأنباء والصحف الكبرى فى بريطانيا وأمريكا وفرنسا وألمانيا، مرورا بتجربة الإعلام المسموع والمرئى، وصولا إلى القنوات الفضائية واجتياح الإنترنت بمواقعه التى تهدف إلى التحكم فى الغير عن بعد، وهذه بلا شك المهمة الرئيسية لما يعرف بالإعلام البديل أو الإعلام الجديد المتمثل فى مواقع التواصل الاجتماعى.

الشاهد أن ما عرف بمصطلح الحداثة أخذ يحلق فى السماء ووجدنا أنفسنا أمام منظومة كبيرة من الإعلام الأجنبى، تقدم نفسها للمتلقى العربى على أنها مصدر ثقة، ومع الأسف صاحب هذا الإعلام ترحاب كبير لدى جيل جديد من أحفاد الجيل الأول الذى انبهر بالشعر الأشقر والبشرة البيضاء والعيون الزرقاء، جيل الرفاهية الذى لا يدقق فى مصطلح المسؤولية ولا يعرف قيمة ما فى يده من تراث وراح يلهث وراء قليل القيمة ومن لا قيمة له.

"عقدة الخواجة" أو الوثوق فى الأجنبى وتفضيل بضاعته مشكلة أصبح يعانى منها بعض الإعلام المحلى بشكل كبير، وسأتحدث هنا مثلا عما يعرضه بعض الإعلاميين فى برامجهم على أنه وثائق أو تقارير دولية حول بعض القضايا والمشكلات فى مصر والمنطقة العربية، وحين تسأله عن مصدر هذا التقرير يقول لك وبمنتهى الثقة والقوة أن "الجورنال الأجنبى الفلانى قال هذا"، وكأنه هنا يريد إسكاتك وقصف جبهتك ويقول لك بعين قوية: ماذا أنت فاعل؟ هل ستكذب -لا سمح الله- الصحيفة الأجنبية!!، الحقيقة أنا هنا أتعجب، من أين أتى الإعلامى هذا أو ذاك بهذه الثقة فى الجورنال الأجنبى أو الوكالة الأجنبية لينقل عنها وكأنها المصدر الرئيس للموضوع وأنها مصدر الثقة الوحيد والأهم، رغم أن "ألف باء" إعلام هو أن ينقل الإعلامى عن المصادر الرئيسية وليس عن مصدر ناقل، فالصحيفة الأجنبية فى رأيى هى مصدر ناقل وبحكم تخصصى العلمى الدقيق فى هذا الشأن استطيع القول وأنا مطمئن أن معظم الصحف الأجنبية بشكل عام تحكمها المصالح ورأس المال السياسى وجماعات المصالح، وأصبح عدد كبير من كبريات الصحف الأجنبية فى الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا مملوكا أسهم فيها لرأس مال سياسى تحكمه الأهداف السياسية.

وكنا قد كتبنا هنا قبل أشهر عن "أكذوبة الحياد الإعلامى"، فلا حياد فى الإعلام بشكل عام، الفرق بين إعلام وآخر فى إدارة الهدف بمهنية على طريقة أنصاف وأرباع الحقائق لجعل الكذب فى صورة قابلة للتصديق، وإن كنت هنا أيضا أستبعد منطق التعميم ولا أنكر وجود قدر من الانضباط الإعلامى حتى داخل نفس الصحيفة التى تجنح لطرح موضوعات ذات أهداف سياسية وهذا يرجع إلى الفروق الفردية بين صحفى وآخر فهناك من له ثمن ومن لا يقدر بثمن.

وفى الحقيقة أن عقدة الثقة بالأجنبى المسيطرة على عقول بعض الإعلاميين هى نتاج ميراث مغلوط لكنها مع الأسف تزداد خطورتها الآن مع التوظيف السياسى للإعلام الأجنبى وترسيخ الشكوك فى البيانات والمصادر المحلية.

أصدق مثال فى رأيى لاستخدام الصحافة الأجنبية سياسيا ما فعلته مراسلة صحيفة الجارديان البريطانية المطرودة من مصر عندما نشرت فى 15 مارس 2020 تقريرا قالت فيه إن عدد المصابين بفيروس كورونا فى مصر يقترب من العشرين ألف حالة فى الوقت الذى كانت الأرقام الرسمية المعلنة من الحكومة المصرية وقتذاك لا تتجاوز الـ123 حالة إصابة، واستندت روث مايكلسون فى تقريرها على ما وصفته بدراسة لمجموعة علماء من جامعة تورنتو الكندية، وحين البحث فى الموضوع تكشف أنه لا توجد دراسة ولا يوجد مجموعة علماء وأن الأمر لا يعدو كونه "منشور" على تويتر لطبيب أمراض معدية كندى مغمور اسمه إسحاق بوجوش اعترف أنه لم يستطع نشر هذا الكلام فى المجلات العلمية لافتقاده صفة الدراسة فاضطر لنشره على حسابه على تويتر، وأنه لم يبرح مكانه فى كندا، لكنه تعامل مع مصر على أن بها 100 مليون نسمة فقال إن من المناسب أن يكون عدد الإصابات بها عشرين ألفا!! ثم عاد وتراجع وقال ستة آلاف.

الخلاصة أن هذا التقرير الفضيحة للجارديان تم التعامل معه من أنصار خواجات الإعلام على أنه وثيقة، ولو لم يتم كشف المؤامرة فى هذا التقرير والتى أدارتها الصحيفة والمراسلة وصاحب الدراسة الوهمية، لكنا بالفعل أمام أزمة مع الرأى العام، وعلى إثر ذلك تم طرد الصحفية من مصر، وبناء عليه ليس من اللائق أو المنطقى أن  يأتى إعلامى ويقول لى إن الصحيفة الأجنبية الفلانية قالت كذا ويعتمدها مصدرا موثوقا فيه.

فى أزمة كورونا أيضا، لاحظنا كيف روجت بعض التقارير فى بعض الصحف الأجنبية لأكاذيب أثارت بلبلة فى الرأى العام العالمى منها على سبيل المثال فضيحة مجلة لانسيت العلمية البريطانية الشهيرة فى 22 مايو الماضى، حيث نشرت دراسة مفبركة حول دواء "هيدروكسى كلوروكوين" تحذر منه وتعبر عن القلق من استخدامه، قوبلت بردود فعل دولية من أطباء وخبراء فى مجال الصحة شككت فى نتائج الدراسة، وطالبت بتفاصيل أكثر من القائمين عليها حول الآليات والنماذج والبيانات المتعمدة فيها، وفى فرنسا رد البروفسور ديديه رواؤولت أول من بشر بنتائج إيجابية لهذا الدواء فى علاج مرضى فيروس كورونا، على المجلة البريطانية، وفى مقابلة نشرها موقع معهد المركز الاستشفائى الذى يديره فى مارسيليا، أكد أن الدراسة تشوبها الكثير من الشوائب واصفا إياها بالفضيحة العلمية وأن القائمين عليها مجموعة من الأشخاص عديمى الخبرة، وأنها خالية من أى مصادر أو معطيات علمية موثوقة، وهو ما أثبت أن المرجعية الغربية لا يمكن أن يُنظر إليها  كمثال نموذجى لا يجب التشكيك فيه، بما ينسف تماما عقدة الخواجة.

الخلاصة أننا فى حاجة للتخلص من بعض الممارسات الإعلامية السلبية حول تفضيل الأجنبى، وهنا نطرح بعض الأسئلة: هل هناك أزمة ثقة بين بعض الإعلاميين والمصادر الرسمية للأخبار أم أنها مجرد رغبة من الإعلامى لإظهار نفسه مثقفا ومطلعا على الإعلام الأجنبى دون التدقيق فى هدف ومصداقية هذا الأجنبى أم قصور فى الوعى السياسى وعدم القدرة على تحديد ما يمكن وما لا يمكن الوثوق به؟  لذلك أطالب كل المسؤولين عن الإعلام المصرى بشقيه العام والخاص بضرورة التأكيد على أن المصدر فى صناعة الإعلام بمثابة القلب فلو فسد القلب فسدت الصناعة برمتها.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز