البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
لست من المحتفلين بالأحداث التى شهدتها مصر فى 25 يناير قبل 11سنة، ولا أحمل لها مشاعر حب، وأيضا لا أعاديها فى جانب منها يمثله ذلك القدر الضئيل من بقايا هدف نبيل خرج من أجله شباب فى هذا اليوم طلبا فى حقوق مشروعة، قبل اختطاف هذا الهدف النبيل.

وفى نفس الوقت أرى أن كل شخص من حقه أن يحب ويكره ما يشاء ولا يصادر على غيره، و من ثم فأنا أمارس حقى وأعتبر 25 يناير يوما يخص فقط الشرطة المصرية العظيمة فى عيدها، احتفالا بذكرى تضحياتها فى نفس اليوم من عام 1952، وتخليدًا لذكرى موقعة الإسماعيلية التى راح ضحيتها 50 شهيدا و80 جريحًا من رجال الشرطة المصرية على يد الاحتلال الإنجليزى، بعد أن رفضوا تسليم سلاحهم وإخلاء مبنى المحافظة للمحتل الغاشم، ودفعوا حياتهم ثمن تمسكهم بكرامتهم وحفاظهم على وطنهم.

وهذا درس عظيم فى الفداء والإخلاص للوطن، وهو ما ينبغى الاحتفاء به وتدريسه للنشء، وليس يوم حرق أقسام الشرطة وسرقة الذخيرة، وقتل الضباط، وأهانة كل من يرتدى ملابس الشرطة، ونهب المؤسسات، وكسر هيبة الدولة، وخرق القانون!

للأسف الشديد، فقد تحولت المطالب المشروعة من بعض الشباب فى ميدان التحرير قبل 11 سنة إلى مؤامرة مكتملة الأركان؛ حينما اختطفت هذه المطالب، وتم القفز على أحلام الشباب وتطلعاتهم لوطنهم من قبل أطراف ثبتت خيانتها وعصابة تاجرت بالدين لأهداف سياسية.

وكان المقصود هو تحويل يوم عيد الشرطة إلى يوم يساء فيه للشرطة! فى مكايدة ملؤها الحقد والغل وتطرح الكثير من الأسئلة، لعل أولها و أبرزها لماذا وقع الاختيار على يوم عيد الشرطة وهو معروف منذ نصف قرن تقريبا لتنظم فيه الاحتجاجات؟

وأكرر أننى لا أنكر أن هناك من خرج عن قناعة ولديه مطالب مشروعة، لكن من الذى خطط  ودرب وقاد وأنفق؟ هل كان المبتغى هدم نظام أم هدم دولة بتاريخها وحضارتها وما تملكه من إرث إنسانى يتحاكى به العالم؟

بعد مرور 11 سنة على ما عرف اصطلاحا بالربيع العربى، أعتقد أن كل خيوط اللعبة الخبيثة قد تكشفت، فما كان ربيعهم إلا خرابا وفوضى  محاولة تفتيت وتقسيم للأوطان، فالربيع كلمة تشير إلى أجواء النماء والخضار والبهجة، وما خلفته الأحداث فى 2011 بعيد تماما عن الربيع، فشتان ما بين الفوضى والعمار وما بين النضارة والوجوه الكالحة، ما بين الخضار والرماد.

الحقيقة باتت واضحة لمن أراد أن ينظر فى خريطة المنطقة ويعرف كيف أن مصر بقيت فى وقت تآكلت فيه الدول من حولها، وتماسكت فى وقت انهارت فيه دول وتفككت أخرى، فالربيع بكل الأحوال لا يأتى بالخراب وإن شئت مثالا فتأمل ما جرى فى ليبيا وسوريا واليمن، ولولا أن حفظ الله بلادنا لكان هذا الوضع المحزن مصيرنا وكنا فى قائمة ضحايا ربيعهم المزعوم، وحتى تعرف النوايا الخبيثة لمن امتطى الأحداث فى 25 يناير، أنظر كيف ينظرون إلى ثورة 30 يونيو 2013 على أنها قضت على ربيعهم العربى، وهى فى الحقيقة قضت على المخطط، وحررت مصر من الاختطاف، حينما خرج قرابة الـ 33 مليون مصرى لرفض الفاشية الدينية وتجار الدين، وبها استعادت مصر هويتها.

عودة إلى المناسبة الحقيقية ولكل محتفل بيوم 25 يناير إن أردت أن تعرف معنى التضحية  الفداء لهذا الوطن فما عليك ألا أن تتأمل ذلك المشهد الحزين الذى يتكرر كل عام فى الاحتفال بعيد الشرطة، وتسأل نفسك: هل من الممكن أن تعوض هؤلاء الأطفال اليتامى عن أبائهم الذين راحوا ضحية الدفاع عنك، وعن أسرتك من خطر الإرهاب الذى تم تمريره إلى بلادنا بوفرة بعد 2013؟ هل لديك ما تواسى به زوجة شابة ترملت مبكرا وفى عنقها طفل أو اثنين؟ هل تستطيع أن تطيب جرح أم ثكلى وأب مكلوم فقدا ابنهما وقد يكون ضابط حديث التخرج استشهد فى مطاردة مع مجرمين حاولوا سرقة بيتك أو التحرش بأختك أو ابنتك؟

ليتك تقتطع من وقتك دقائق لتطالع الحائط الكبير فى متحف الشرطة وترى صور مئات الشهداء الأبطال من رجال الشرطة، وفى نفس الوقت لا تنسى أن صورا أخرى بغيضة قد خلقتها الأحداث فى 2011 وما تلاها، تذكر صور اقتحام المتحف المصرى، وحرق المجمع العلمى وسرقة المتاجر الكبرى، تذكر صور الحرائق فى الكنائس وأقسام الشرطة.

تذكر فى العام التالى لـ 2011 كيف مهدت الأحداث إلى أن تتسلل عصابة الإخوان الإرهابية فى غفلة من الزمن إلى حكم مصر، أكبر دولة فى المنطقة وبها أقدم الشعوب فى العالم، تذكر كيف كانوا يريدون مواصلة هدم جهاز الشرطة،  لثأر قديم معهم، فمعظم قيادات وعناصر الجماعة الذين اعتلوا المناصب بداية من مقعد السلطة الأول مرورا بالوزارات والهيئات، كلهم سجناء سابقين، وهاربين من السجون، كانت لديهم رغبة عارمة للانتقام من سجانيهم، لذلك دعموا الفوضى داخل جهاز الشرطة فى السنة السوداء التى حكموا فيها، تمهيدا لإدخال عناصرهم من أهلهم وعشيرتهم، تذكر وتألم لتعرف بأى يوم ستحتفل.

سيظل يوم 25 يناير 1952، يوما مجيدا فى تاريخ الشرطة المصرية وتاريخ مصر، فما فعله الرجال فى هذا اليوم، كان من أجل مصر وكرامتها وعزتها وشوقها للتحرر والاستقلال من نير الاحتلال البريطانى.

كل التحية  للرجال الساهرين على حماية الأرض والعرض، وطوبى لحراس البيوت والأرواح، الذين يدفعون الكثير ليحموا المصريين ويحققون لهم الأمن والاستقرار، الذى بدونه ما كان ممكنا أن تخوض مصر غمار التنمية وتنتقل إلى مكانة أفضل على صعيد الاقتصاد وتصبح بيئة جاذبة للاستثمار.

عزيزى القارىء، وأنت تحتفل بيوم 25 يناير تذكر كيف كنا فى 2011 وكيف أصبحنا فى 2022 وأشكر ربك على نعمة الأمن والأمان، وقتها ستعرف أنك تحتفل بعيد الشرطة المصرية، وتحيا مصر.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز