البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
اقتربت الحرب فى أوكرانيا من أسبوعها الأول وعلى الرغم من الصمود المؤقت للقوات الأوكرانية التى تمكنت من صد القوات البرية الروسية المحتشدة على بعد 20 كيلو متر من العاصمة كييف المحاصرة، إلا أن الأسوأ مازال فى الطريق، وربما تشهد الساعات القليلة القادمة سيناريوهات أكثر قتامة.

الواضح تماماً أن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين وهو رجل مخابرات سابق قد ابتلع الطعم الأمريكى وتم جرجرته للمعترك الأوكرانى حتى يحدث له ما حدث، فأوروبا وأمريكا الآن تطوفان روسيا وتحاصرانها اقتصاديا وتكنولوجيا ما بين منع وحظر وإلغاء ووقف تداول وعقوبات شخصية استهدفت بوتين نفسه والمقربين منه، وفرض قيود فى محاولة صريحة لإنهاك روسيا اقتصاديا وجعلها دولة منبوذة.

الآن بوتين فى منتصف المستنقع تقريباً ولا بديل له إلا استكمال ما بدأه، أصبح واضحاً لديه أنه تجاوز نقطة اللا عودة وفى ظل زخم العقوبات التى تتلقاها روسيا على كثرتها وتنوعها أدرك بوتين أيضاً أن السلاح العسكرى هو الحل لاسيما أن روسيا بلا شك تملك القوتين البشرية والعسكرية التى ستمكنها من السيطرة على كييف إن لم يكن الآن فبعد بضعة أيام وستتمكن بالعتاد العتديد من التغلب على المقاومة الأوكرانية، لاسيما أيضاً أن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين لم يستخدم حتى الآن كافة قدراته فى هذه الحرب، ولم تكشف روسيا كل أوراقها، ومن ثم فالسيناريو القادم هو هزيمة النظام الأوكرانى، وسقوط سلطة كييف.

ما آلت إليه الأوضاع الآن وإن كان البعض يراه غير متوقع أو غير محسوب إلا أننى هنا فى نفس المكان كتبت قبل عشرة أيام من إقدام روسيا على عمليتها العسكرية وقلت الحرب قادمة لا محالة، مطالب موسكو قبل الحرب كانت واضحة فقد أرادت الحصول على ضمانات موثقة لمنع المزيد من توسع حلف الناتو نحو الشرق، والامتناع عن نشر أسلحة هجومية بالقرب من حدودها، وإعادة القدرات العسكرية والبنية التحتية للناتو فى أوروبا إلى الوضع الذى كان عليه فى 1997 عندما تمَّ التوقيع على القانون التأسيسى للعلاقات المشتركة والتعاون والأمن بين روسيا وحلف الناتو.

ترى روسيا أن قبول أوكرانيا فى الناتو يعنى تقريب البنية التحتية العسكرية للناتو من حدودها، بما يشكل تهديداً وجودياً لها، ويدفعها للمواجهة مع الناتو.. بوتين ذكر الغرب مراراً بما وصفه الخطوط الحمراء التى لا يجب تجاوزها ومبدأ الأمن المتساوى الوارد فى الوثائق الدولية والذى يشمل الالتزام بعدم تعزيز أمن دولة على حساب أمن دولة أخرى، إلا أن الغرب تعمد أن يتجاهل ربما انتظارا لهذه النتيجة، وهو ما جعل بوتين مقتنع تماماً بأن الغرب يسعى لإنشاء نظام عدائى لروسيا على أرض أوكرانيا وأن ضم أوكرانيا إلى الناتو، مسألة وقت ليس أكثر، فاستقر فى عقل بوتين أن الطريقة الوحيدة للحماية من ذلك هى نزع سلاح أوكرانيا.. ولتكن حرباً.

السؤال هل حسب بوتين حسابات العقوبات جيدا؟.. هل كان يتوقع حجمها هذا؟ أم أنها فاقت توقعاته؟.. أظن أن الأخير هو ما حدث، فمثل هكذا عقوبات لا توجه إلا لتدمير دولة وليس توقيفها أو إثنائها عن فعل شىء ما !..

حسب بوتين حساباته على أنه سيضرب ضربة خاطفة فى غضون ساعات، وسيعلم الغرب درساً ويرجع إلى موسكو بطل قومى يحارب باسم الأمة الروسية حرب الضرورة ويحفظ للروس كبريائهم فى عليائه، لكن ما حدث ولأسباب عدة جغرافية ولوجستية، خالف حسابات بوتين فأوكرانيا قاومت وتقاوم الغرب مع أوروبا أظهرا ما كان مخفيا، ولم تشفع لبوتين العلاقات الاقتصادية مع أوروبا القائمة فى مجالات الغاز والطاقة وفى لحظة واحدة الكل باع بوتين، حتى لو كلفهم ذلك خسارة، المهم هو إحكام القفل على رقبة الاقتصاد الروسى، وبذلك تكون أمريكا قد نجحت فى محاولتها إعادة ميزان القوة العالمية لصالحها دون أن تحرك جندياً أمريكياً واحداً، فقط بالدعم والمعدات والمال لأوكرانيا وتأجيج الصراع إعلامياً ودعائيا.

وفى ظنى أن الدعم الذى قدمه الغرب وأوروبا لأوكرانيا ليس لإيقاف القتال ولكن لزيادته اشتعالا وإطالة أمده وأمد العقوبات وإحكام خنق روسيا أكثر فأكثر، ولأن اللعبة تعتمد على أن يصعد كل طرف من نبرته بحسب موقعه، فليس أمام بوتين سوى التصعيد على جبهة القتال.

ومضت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوربين يحشدون العالم ضد اقتصاد بوتين ومكانة روسيا على كل الأصعدة جوا وبحراً وفضاء وإعلاما، ويبدو فى الأخير أن الولايات المتحدة نجحت فى جر روسيا إلى الحرب للدرجة التى جعلت بوتين يلوح بوضع سلاح الردع النووى على أهبة الاستعداد، ولا أستطيع أن أضع هذا التلويح فى منطقة التهديد والاستعراض فقط، فهذا يعنى أن بوتين قد قرر أن يركب أعلى خيوله ويرفع السقف كثيرا، أو أنه يريد أن يعجل بالتطورات لحسم نتائج الهجوم وسط سيل العقوبات التى يواجهها.

روسيا تشعر أن لديها مقومات الدولة العظمى بمواجهة الولايات المتحدة، وأن من حقها أن تعيد مجد الاتحاد السوفييتى الغابر، لذا أدخلت النووى على الخط، ربما ليدفع المجتمع الدولى للرضوخ إلى شروطه حتى يتراجع أو يتراجع الغرب وأوروبا عن العقوبات.

على صعيد الحرب الاقتصادية المستعرة ضد روسيا وقع بوتين مرسوماً بشأن اتخاذ تدابير اقتصادية خاصة ضد الولايات المتحدة والدول التى انضمت إليها فى العقوبات على موسكو، بوتين وإن بدا أنه لا يبالى بالعقوبات ضده إلا أنه يدرك جيداً أنه ينزف، لكنه من المستحيل أن يتراجع وفى تصعيد له من لهجته، ندد بوتين بالولايات المتحدة وحلفائها ووصفها بأنها "إمبراطورية أكاذيب".

الشاهد أن العالم الآن يعيش مغامرة مجهولة النتائج، الكل فيها خاسر حتى من ليسوا أطرافها أيضا، قد يجد بوتين نفسه على موعد مع حرب استنزاف طويلة الأمد لا تناسبه، وربما لم تكن فى حساباته، إذ لا يمكن إغفال تخطيط أمريكا للنيل من بوتين وكسر نزعته القومية وإفساد حديثه عن الزعامة والقوة، فأمريكا صنعت الحدث من الكواليس وهى بالطبع تجيد الاستفادة من الفوضى التى تسبب بها الهجوم الروسى على أوكرانيا، وتستغل ما يمكن أن تؤدى إليه التطورات والأحداث، لتتفاعل معه وفق مصالحها وخطتها لضبط ميزان القوة.

الخلاصة، أن فاتورة الحرب مكلفة يدفعها من لا ذنب لهم، الحرب مؤلمة بكل حالاتها وتفاصيلها، والدب الروسى نصب له فخ كبير ولكنه مضطر أن يمضى للنهاية، وسيحطم القفص الذى دخله، ويصل إلى ما يريد لكنه سيصل منهكا ومجهدا، وحين يصل ستكون الولايات المتحدة قد أرضت غرورها أمام نفسها والعالم، وأدارت حرباً من منازلهم، وفور إخماد الرماد وعلى طريقة مُدرسة الفصل فى المرحلة الابتدائية ستقول بصوت عالى: "ما سمعش صوت حد تانى فى الفصل.. أقصد فى العالم".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز