البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
"ذى إيكونوميست" فى عالم الصحافة البريطانية، لا نعرف ما إذا كانت صحيفة أو مجلة، فالمطبوعة التى أسسها جيمس ويلسون فى سبتمبر 1843 لتهتم بالشأن الاقتصادى ظهرت فى الأساس كجريدة، لكنها الآن تأخذ شكل المجلات وتصدر بغلاف من ورق لامع كالمجلات، بيد أنها تصر على أنها جريدة!.

ويبدو أيضًا أنها مثلما خلعت ثياب الجرائد دون أن تعترف، خلعت أيضا المزيد من الثياب الأخرى، فتنصلت مثلا من الهدف الذى تأسست من أجله وهو تغطية الأخبار الاقتصادية عبر العالم، والآن تكتب فى كل المجالات، بما فى ذلك السياسة والفنون والدراما!

طالعتنا "المجورنال" - وهذه كلمة تدمج كلمتى مجلة وجورنال- قبل يومين بتقرير تهاجم فيه الجزء الثالث من مسلسل الاختيار وتقول إنه دراما فخمة تحاول حشد المصريين بذكريات قاتمة، زاعمة أنه فشل كسجل للتاريخ، وفشل كدعاية سياسية للرئيس السيسى، وتحدثت عن الحلقة ما قبل الأخيرة.

وقالت: "الفنان ياسر جلال الذى جسد دور الرئيس السيسى قائدًا الجيش وقتذاك، ظهر وسط غرفة مليئة بالقادة الدينيين والسياسيين، وقال: يجب أن نتخذ قرارا مصيريا، كان التاريخ 3 يوليو 2013، وفى غضون ساعات، ظهر العظماء المجتمعون على شاشة التلفزيون جنبا إلى جنب مع السيسى، حيث أعلن أن تجربة مصر القصيرة مع الديمقراطية قد انتهت".

إلى هنا انتهى كلام "ذا إيكونوميست" إما دلالاته فلا تحتاج لتوضيح، ذا إيكونوميست كانت ترى فى الإرهاب الذى مارسه الإخوان وفى قتلهم للمصريين وتشويههم للهوية المصرية وتجارتهم بالدين تجربة ديمقراطية! ولا تعترف بثورة 30 يونيو، التى كان قوامها 33 مليون مواطن لم ترهم ذا إيكونوميست! رغم كونها (جورنال x مجلة) فى وقت واحد!.

"ذا إيكونوميست" انحازت لجماعة الإخوان الإرهابية وعناصرها فى الداخل والخارج، وأى رواية واردة من طرفها فهى صحيحة ومؤكدة لديها ولا جدال فيها، بينما ما تقوله مصر والمصريون ومؤسسات الدولة المصرية التى حمت البلاد من الانزلاق فى الفوضى؛ فهى رويات مشكوك فيها!.

وتعتمد "ذا إيكونوميست" معها استخدام مفردات للتشكيك من عينة "تزعم" و"على حد وصف"، ففى تقريرها الأخير مثلا قالت: أن مسلسل الإختيار 3 يسلط الضوء على "ما أسماه المنتجون" أخطر 96 ساعة فى تاريخ مصر الحديث وكأنها لم تكن تشعر بثورة المصريين على الإخوان وأن صناع المسلسل هم من أسموها ثورة!.

أعلم أن ضعاف النظر من البشر يتداوون، لكن لا أعرف كيف تتداوى هذه العينة من الصحافة التى لم تر شعب بأكمله خرج لإقصاء جماعة إرهابية؟!

أما عن التسجيلات التى كشفت خيانة وتآمر قادة الإخوان على مصر والمصريين بالصوت والصورة والتى كانت تعرض فى نهاية كل حلقة؛ فلم تهتم ذا إيكونوميست بخطر ما ورد بها وحقيقة من ظهروا فيها، واختارت أن تنتقد طريقة التسجيل وتقول أنه تم سرا دون علم المسجل لهم؟! وبدلا من أن تقول أن المسلسل كشف تآمر الإخوان على مصر؛ وصفت المسلسل بأنه تآمر من الدولة العميقة على الديمقراطية.

وطبعا تقصد بالديمقراطية هنا "جماعة الإخوان الإرهابية"! وبدلا من تشيد بعمل يوثق ويدقق فى تاريخ الجماعة مع الإرهاب والعنف قالت إنه تاريخ كتبه المنتصرون!،وفى نهاية التقرير، زعمت "ذا إيكونوميست" أن المسلسل لم يحقق مشاهدة عالية كما يتردد وأنه تم تضخيم نسب المشاهدة، وهى هنا لا تغالط فقط كل ما كتب عن المسلسل فى عدد كبير من الصحف الأجنبية ووصفه بالأكثر مشاهدة بل تغالط نفسها لأنها اهتمت وشاهدت وتابعت ثم كتبت، فلو أنه مسلسل لا يحظى باهتمام ومشاهدة فلماذا شاهدته "ذا إيكونوميست"؟!

للعلم هذه ليست المرة الأولى التى تهاجم فيها "ذا إيكونوميست" مصر وكذلك ليست المرة الأولى التى تهاجم فيها مسلسل "الاختيار" بأجزائه الثلاثة، فقد هاجمت "ذا إيكونوميست" النسخة الثانية من المسلسل العام الماضى حتى قبل ثلاثة أيام من بدء شهر رمضان وعرض المسلسل وفى تقرير لها يوم 10 أبريل 2021 قالت إنه يتناول فض اعتصام رابعة العدوية على يد قوات الأمن فى عام 2013 بطريقة عكسية يقلب فيها الحقائق، ويحول المجنى عليهم الى مجرمين، ولم يكن قد بدأ العرض!!

فيما يتعلق بالمجرم والجانى فقد شاهد العالم على الهواء فض البؤرة الإرهابية المسلحة فى منطقة رابعة العدوية وشاهد صناديق الأسلحة وزجاجات المولوتوف فى الاعتصام المسلح وكذلك الأكفان التى ألبسوها للأطفال ومشاريع الشهداء الذين تم عمل "ماكياج" لهم ولطخت ملابسهم بمادة باللون الأحمر كأنهم قتلوا!! ثم نقلتهم الكاميرات وهم يضحكون ويتواصلون بالهواتف بعد مقتلهم!! كما شاهد العالم أيضا كيف أقامت الشرطة المصرية ممرا آمنا لخروج المعتصمين وكررت نداءاتها لهم عبر مكبرات الصوت لخروجهم وكيف استشهد ضباط الشرطة فى بداية عملية الفض!

كما هاجمت "ذا إيكونوميست" الجزء الأول من "الاختيار" وزعمت أنه يدفع بمزاعم مشكوك فيها فيما يتعلق بجماعة الإخوان.

ودافعت عن الإرهابى المعدوم هشام عشماوى، واستنكرت عرض المشهد الحقيقى لاقتياده للإعدام قبل عرض المشهد نفسه "تمثيليا" فى الحلقة الأخيرة من المسلسل، وقالت إن الملايين شاهدوا المسلسل وهذا اعتراف منها بأنه حقق أعلى نسبة مشاهدة وليس كما تزعم فى تقريرها قبل يومين، أما مقطع الفيديو لإعدام عشماوى الحقيقى ففى رأيى أنه نوع من القصاص العادل وبرد نار أهالى الشهداء الذين قتلهم هشام عشماوى.

تاريخ "ذا إيكونوميست" مع مصر بعد ثورة 30 يونيو 2013، عبارة عن شريط من الموضوعات المكذوبة والتغطيات المغلوطة وقلما وجدنا موضوعا يشيد بالدولة المصرية أو يتحدث عن الانجازات التى تحققت فيها وهى كثيرة لكن لا عين رأت!

سأذكر مثلا فى 6 أغسطس 2016 نشرت "ذا إيكونوميست" ملفا كان عنوانه "تخريب مصر"، وضعت فيه مؤهلاتها للتحريض على الدولة المصرية ومؤسساتها، ونشر الإحباط واليأس والترويج لأكاذيب حول قمع مزعوم.

ولم تجد ذا إيكونوميست معطيات اقتصادية كافية تساند وجهة نظرها من أن مصر تنهار، فخلطت الأمر بوجهة نظرها السياسية، مدعومة بأكاذيب عن حقوق الإنسان، وهاجمت المشروعات الاقتصادية وقناة السويس الجديدة، مؤكدة أنها لم تحقق أى نجاح اقتصادى.

وقالت كذبا إن عائدات القناة تتراجع وأن المنطقة الاقتصادية لن تحقق أى إنجاز، وهو ما نفته هيئة قناة السويس بالأرقام وكشفت عكس ذلك.

تعتمد "ذا إيكونوميست" فى تقاريرها على مصادر إخوانية، فمثلا فى ملف "تخريب مصر"، اعتمدت على معلومات نقلا عن عادل عبد الغفار الباحث بمركز بروكينجز الدوحة، وهو عضو فاعل بجماعة الإخوان الإرهابية، يقيم فى قطر.

وبروكينجز الدوحة تابع لمعهد بروكنجز واشنطن وأسسه الإسرائيلى عزمى بشارة، عضو الكنيست الأسبق، حيث انتخب بحسب النظام الانتخابى النسبى الإسرائيلى ثلاث مرات بدأت بعام 1996 وانتهت بطرده من الكنيست عام 2006، ما يعنى أنه ردد القسم الإسرائيلى ثلاث مرات أمام الكنيست، وقال "أقسم أن يكون ولائى فقط لدولة إسرائيل وأن أخدم وبولاء الكنيست الإسرائيلى".

عزمى بشارة الذى درس وترعرع بتمويل للحزب الشيوعى الإسرائيلى هو مؤسس جريدة وموقع وتليفزيون "العربى الجديد" فى لندن لسان حال قيادات الإخوان الهاربة للخارج، والمملوك لشركة خاصة أسسها إبراهيم منير، عضو التنظيم الدولى للإخوان فى أواخر 2013، وعزمى بشارة، مصدر موثوق فيه لدى "ذا إيكونوميست".

أزمة ذا إيكونوميست فى رأيى ليست فى مسلسل "الاختيار"، لكنها أكبر بكثير فأى شىء فى مصر من دون الإخوان لن يعجب "ذا إيكونوميست"، وليس غريبا أن تجد صحيفة أو مجلة بريطانية تسلك هذا السلوك، فالمال السياسى الإخوانى اخترق عددا كبيرا من المؤسسات الإعلامية والبحثية فى بريطانيا، حتى أصبح من المتعارف عليه أن لندن عاصمة التنظيم الإرهابى وحتى الكيانات التى تسمى نفسها منظمات حقوق إنسان، اخترقها المال السياسى لدرجة أنها من الممكن أن تنتفض للدفاع عن الإرهابى المجرم القاتل وتندد بالحكم الذى يصدر بحقه وتتجاهل الشهيد الذى راح ضحية هذا الإخوانى والأمثلة كثيرة!

المال السياسى يخلع الأشياء والأشخاص ثيابهم، ليبدون عرايا أمام أنفسهم ولا مانع لديهم طالما هناك مقابل، وفى رأيى لقد خلعت "ذا إيكونوميست" ثيابها مرات عديدة وبدت فى عالم الصحافة مكون عار لا نعرف مجلة أم جورنال أم ماذا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز