البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
انتصار جيشنا العظيم فى حرب السادس من أكتوبر 1973، يرتبط فى ذهنى ومخيلتى منذ طفولتى، وحتى الآن، بمجموعة من الصور والفيديوهات والمقاطع الصوتية والأغانى والمقالات, تدخلنى فى هذا التوقيت من كل عام، فى حالة حب مع الحرب وأبطالها وحواديتها التى لا تنتهى.

أذكر أن أول "سكريبت" كتبته فى حياتى، كان للإذاعة المدرسية عن حرب أكتوبر، اجتهدت عليه طوال أسبوع كامل، أسأل والدى وجار لنا شارك فى الحرب "عسكرى مجند"، وقريبتنا الحاجة أنعام عبود "أم الشهيد" الذى ذهب ولم يعد، وظلت حتى آخر يوم فى عمرها تحفظ رقمه العسكرى واسم كتيبته وقائده، وفى البلدة المجاورة لقريتنا يعيش محمد أفندى، البطل الذى كان أول من رفع العلم على سيناء، واستقر به الحال صاحب مكتبة للأدوات المدرسية والخردوات.

كنت أسمع الحكايات وأكتب حيث لم يكن هناك جوجل ولا إنترنت من الأساس، وأذكر أننى طلبت من والدى أن يشترى لى الجرائد والمجلات الورقية على مدار هذا الأسبوع، وفرشتها على الأرض ونقلت منها بعض الفقرات، وأعددت مقدمة وأنهيت الاسكريبت، وألقيته بنفسى فى الإذاعة المدرسية.

كان صوتى يعلو وكأننى فى الحرب، ولم أكن أعلم بعد أن تلوين الصوت وتغيير الطبقات مهارة فى الإلقاء، كان صوت تصفيق زملائى التلاميذ ومدرسين المدرسة، وعم شعبان الفراش، يسمع المارة على السكة الزراعية المجاورة لمدرستنا فى قريتنا الصغيرة بمحافظة الشرقية، كنت فى الصف الرابع الابتدائى وأتذكر المشهد كأنه الآن.

من ضمن صور الحرب، التى استوقفنى حين رأيتها لأول مرة، صورة الأسرى الإسرائيليين وهم يرتدون البيجامات الكاستور، فى أثناء عودتهم إلى تل أبيب بعد الهزيمة فى أكتوبر 1973، ولم تكن البيجامات الكاستور غريبة علينا، فكانت أفخر أنواع الثياب عند الفلاحين، زيا متعارف عليه فى البيوت المصرية فى فترة الستينيات، التى شهدت نهضة فى بعض الصناعات، مثل الأقطان.

ففى المحلة الكبرى كان القطن المصرى علامة مسجلة عالميا، ودارت المصانع لإنتاج الملابس من القطن والكتان والحرير، فيما أبدع أهل دمياط فى إنتاج الأثاث المتين ذو الذوق الرفيع، وكان هذا يظهر فى أفلام السينما الأبيض والأسود.

أول سؤال بدر إلى ذهنى: لماذا تم خلع ملابسهم العسكرية وإلباسهم الكاستور ومن الذى فكر فى هذا ولماذا؟ جاءت لى إجابات عديدة فى هذا الموضوع، وكل عام كانت تضاف لى معلومة جديدة، ومرت السنون وتخصصت فى الاتصال السياسى، ودرست دلالة الصورة فى الرسائل المرسلة، وحينها أدركت أهمية اللقطة وقلت إن هناك رسالة مهمة فى صورة العساكر الإسرائيليين بالبيجامة الكاستور.

أول ما قيل فى هذا الموضوع، أن الرئيس الراحل أنور السادات، أمر بأن يرتدى الأسرى الإسرائيليين هذه البيجامات، خلال عملية تبادل الأسرى، لأن هذه البيجامات كان يرتديها الأطفال فى الريف المصرى، عقب عملية الطهور للأبناء الذكور، التى كان يجريها حلاقو الصحة فى القرى والنجوع، لأنها رقيقة الملمس حتى لا يتألم الطفل من جرح العملية، وبعد ذلك يزفه أهل القرية مرتديا البيجاما الكاستور المقلمة، وينشدون لأمه "يا أم المتطاهر رشى الملح سبع مرات"، تعبيرا عن طرد الحسد عن ابنها الذى أجريت له الجراحة حديثا، ووفقا لهذه الرواية فإن الرئيس السادات أراد أن يربط مشهد العساكر الإسرائيليين بمشهد "المتطاهرين" وينقل انتصاره للعالم، فى صورة لم ولن ينساها التاريخ لما فيها من إذلال، ليعودوا ويخبروا قادتهم من هو الجيش المصرى.

كان لى تفسير خاص بى فى هذا الموضوع، وربما يضاف إلى التفسير السابق، فبالإمكان جمعهما معا ضمن أهداف تمرير هذه الصورة للرأى العام العالمى وقتذاك، فبجانب اعتبار أن عودة الأسرى الإسرائيليين إلى بلادهم بدون زيهم العسكرى، إهانة لهم، خاصة أن "البيجامة الكاستور" ترمز فى المعتقد الشعبى إلى حالة الاسترخاء و"الرحرحة" وعدم المبالاة فى أغلب الأوقات، وهو ما يدل إلى أن جنود الجيش الإسرائيلى استسلموا تماما لمصيرهم، ولن يعودوا إلى الحرب ضد مصر مرة أخرى.

هناك تفسير لدى يقول أن الرئيس السادات، أراد أن يصنع دعاية سياسية جيدة التخطيط للصناعة المصرية متمثلة فى منتج مصرى هو البيجامة الكاستور فيدخلها التاريخ من أوسع أبوابه، لتكتسب شهرة فى الخارج مثلما هى فى الداخل، وأنه فى ذلك الزمان كانت البيجامات الكاستور تباع فى "شركة بيع المصنوعات"، و"صيدناوى"، و"عمر أفندى"، وكانت هناك جلاليب كاستور بجانب البيجامات الكاستور، كما كان المصريون يصرفون حصة من هذه البيجامات على بطاقات التموين بجانب الزيت والسكر والشاى والمواد الغذائية الأخرى التى كانت ضمن السلع التموينية، وتحدثت وكالات الأنباء العالمية عن الكساء الشعبى المصرى وعن صناعة المحلة الكبرى وهذا فى حد ذاته هدفا عظيما بلغة الدعاية.

هذه الصورة بلغة الاتصال السياسى أيضا، كانت رسالة مهمة لكسر غطرسة قادة إسرائيل وطرحهم أرضا فى واقع لم يكن يخطر ببالهم، فبعد حرب 1967 وقف موشى ديان أمام قناة السويس، وقال: ليست هناك حدود آمنة أكثر من هذه، وتأتى حرب أكتوبر عام 1973 لتنهى أسطورة الجيش الإسرائيلى (الذى لا يقهر) وتفسد مفعول كل نظريات موشى ديان عن الحدود الآمنة ويعود جنوده بزى "المتطاهرين".

من كان يتصور فى إسرائيل كلها، أن يعود جنودهم فى هذا المشهد فى وقت بلغت فيه حكاياتهم عن القوة منزلة الأساطير، فقبل الحرب بأيام على سبيل المثال، كان الإسرائيليون يرددون أن العرب لن يتحدوا أبدا، ولن يحاربوا، وأن جيش الدفاع الإسرائيلى على درجة عالية من الكفاءة، وأن الموساد يضمن انتصارا دائما بأقل قدر من الخسائر، وأن لدى قادة إسرائيل من الحكمة والخبرة ما يسمح بترك كل شىء فى قبضتهم، وأن الرأى العالمى سيبقى مؤيدا لإسرائيل، وأن الشعب الإسرائيلى يثق بقدرة قياداته على تحقيق الانتصارات، إلى غير ذلك من الأساطير، لدرجة أن هناك مقولة كانت أقرب للحقيقية، وهى أن كل فرد فى الجيش الإسرائيلى بعد نكسة 1976، كان لديه صحفى مقرب يحكى له أسبوعيا بطولاته وأمجاده حتى فى ظل ضراوة حرب الاستنزاف وخسائر إسرائيل التى كانت تخفيها عن الإعلام.

وبعد حرب أكتوبر 1973، ما الذى يمكن أن يقال فى صورة "البيجامات الكاستور"؟ التى تعد واحدة من صور كثيرة عكست هول المفاجأة لدى الإسرائيليين، بعدما حقق المصريون انتصارات هائلة خلال عبور قناة السويس، واجتياز خط بارليف، وتحطيم أسطورة سلاح الجو الإسرائيلى، ونظرية ديان للحدود الآمنة ومعتقدهم بأزلية التخلف العربى.

تمر السنون وتبقى الصور لتؤكد دائما شجاعة وبسالة المقاتل المصرى، ذكاء ودهاء القائد المصرى مبتكر فكرة الخداع الاستراتيجى، وقوة رسائله المباشرة وغير المباشرة، تحيا مصر دائما.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز