البث المباشر الراديو 9090
د.حسام فاروق‎
من المفترض أن يلعب الإعلام بمختلف أشكاله حال انضباطه وتمسكه بالمعايير والمضامين الصحيحة، دورا رئيسيا فى إدارة الأزمات بالمجتمع، لكون وسائل الإعلام تملك المعلومة والخبر وهى قناة التواصل بين المواطن وصانع السياسات العامة، فوسائل الإعلام هى التى تنقل للجمهور الأخبار وتقدم تفسيرا لها وهى التى تنتقى ما تتناوله وما تتجاهله من قضايا وموضوعات يمكن أن تؤثر فى السياسات العامة للبلاد، و من ثم فأهمية الحدث تحدده وسائل الإعلام والعكس صحيح.

كما أن الإعلام يملك التأثير فى الرأى العام بتشكيله من جديد أو بتغيير قناعات الأفراد تجاه فكرة ما، حيث بإمكان الإعلام أن يكون فاعلا و حيويا فى الأزمات، من خلال التوعية بالأزمة وتوفير المعلومات فى حينها، وخلق الشعور بالمسؤولية الجماعيّة تجاه المجتمع.

ومن ثم فالسياسات التى تدار بها وسائل الإعلام تعتبر محدد فاعل ورئيسى للنتائح التى يحققها الإعلام فى إدارته لأى أزمة، ففى ظل ثورة تكنولوجية تجتاح العالم من أقصاه إلى أقصاه وفى وقت يتحرك فيه الخبر عبر العالم فى بضع ثوان، تكون المصداقية والمهنية وسرعة تداول المعلومة شرط رئيس لنجاح الإعلام فى وقت تكثر فيه التحديات حال نقصان أى من بنود هذا الشرط فيكون المتلقى عرضه للاستهواء والوقوع تحت تأثير الشائعات التى تنطلق فى الغالب لأسباب سياسية بأجندة عدائية.

فى الحالة المصرية هل نجح الإعلام بشقيه العام والخاص فى إدارة الأزمات فى ظرف سياسى حرج عاشته مصر لما يقرب من عشر سنوات بعد ثورتين وتحديات جسام ؟ أم كان الإعلام فى حد ذاته أزمة تبحث عن حلول؟ الإجابة بالنسبة لى قد تكون غير مرضية أو بمعنى أدق إلى حد ما لم يؤد الإعلام فى مجمله الدور المناط به على أكمل وجه بالنظر لظروف منظومة الإعلام المصرى بشقيها العام والخاص ولكل أسبابه ودوافعه فيما قد ينسب إليه من تقصير ما، ففى الإعلام المرئى على سبيل المثال فى الوقت الذى يتحدث فيه بعض المراقبين والمتابعين عن نقص فى الإمكانيات وكثرة فى عدد العمالة فى ماسبيرو، مما يؤثر بالتبعية على جودة الصورة من جميع زواياها يتحدث آخرون عن الانضباط الذى اتسمت به الرسالة الإعلامية لتليفزيون الدولة الرسمى ومصداقية الرسالة المبثة من خلاله، بينما فى القنوات الخاصة فى جانب كبير منها يكون العنوان الأبرز هو الافتقار للانضباط والتعامل مع الشاشة كما لو كانت ملك لمن يظهر عليها على طريقة " كله بفلوسى" ناهيك عن غياب الرؤية وشكل وطريقة الخطاب التى قد تنحدر فى بعض الحالات إلى مستويات تجارية سوقية، وأؤكد هنا على ضرورة عدم التعميم.

رغم كل ما سبق عرضة ومع اتفاقى حول معظم ما طرحه المراقبون والمتابعون الذين يقيمون المشهد الإعلامى المرئى فى مصر عن علم و دراية إلا أننى أرى أن أزمة الإعلام المرئى فى مصر ليست بالأزمة المادية التى يعانيها ماسبيرو وأبناؤه الذين خرج بعضهم من المبنى الكائن على كورنيش نيل القاهرة ونجحوا فى تأسيس إمبراطوريات إعلامية خاصة داخل و خارج مصر، كما أن الأزمة ليست بالحرية الزائدة و التعامل مع الشاشة كعزبة خاصة فى بعض الإعلام الخاص، فمثل تلك الأزمات يسهل تجنبها حال وجدت الجدية والصرامة.

الأزمة الحقيقية فى تصورى تتلخص فى كلمتين لا ثالث لهما هما "غياب التخصص" وأقصد هنا التخصص بكل معانيه ليس فقط لمن يظهر على الشاشة، و إنما التخصص الذى أقصده هو ذاك الذى يبدأ من حيث تبدأ صناعة الإعلام المرئى بشكل عام فكل من يقوم بدور يجب أن يكون متخصصا فيه و دارسا له ومتدربا عليه حبذا لو اجتاز دورات تدريبية معتمدة فى الداخل و الخارج فيما يقدمه، فهذا بلاشك يضمن تحقق المهنية فى أعلى مستوياتها، العالم كله يهتم بالتفاصيل الصغيرة ولكل تفصيلة عشرات من الأشخاص الدارسين لها والمتخصصين فيها والمتدربين عليها ونحن لازلنا نعمل بطريقة الرجل الأوحد الذى يفعل كل شىء " One Man Show " فى مصر فقط بإمكانك أن ترى مذيعا يجلس على مقعد لمدة ثلاث ساعات يتحدث فى كل شىء بمنتهى الثقة والصوت العالى وكأنه خبير فى كل شىء ينِّظر فى السياسة ويحكم على الفنون ويعرض خططه لمباريات كرة القدم ويعظ فى الأمور الدينية وكأنه عليم بكل بواطن الأمور وهكذا وأتحدث هنا عن بعض ما يسمى "توك شو" الذى تحول إلى جلسات "رغى"، ناهيك طبعا عن شكل وطريقة الخطاب وصياغته ومستوى الصوت وركاكة اللغة المستخدمة فى بعض الأحيان.

فى مصر فقط مع الأسف تضج الشاشات بهؤلاء الذين صنعوا شهرة بالباطل و "بالصوت العالى" و بالإعلانات التجارية فى حين لو بحثت عن مضامينهم ستجدهم مفرَّغون من الداخل، فقط يجيدون تكوين الدوائر المغلقة أو "الشلل" وهذا لا علاقة له من قريب أو من بعيد بالإعلام ويتحركون من قناة لقناة ومن صحيفة لصحيفة ومن موقع لموقع، ومن إذاعة لإذاعة، بالطبع أنا لا أعمم فهناك نماذج ناجحة لكنها تبقى فردية ولا تأخذ فرصتها الحقيقية، ليس لأنهم لا يجيدون الإعلام ولكن فقط لأنهم لا يجيدون التسويق  والعلاقات العامة أو بصراحة ليسوا من ضمن "الشلل".

فى رأيى لو ظل حال الإعلام هكذا فلا ننتظر منه أن يشارك فى حلول لأزمات المجتمع، فيكفيه أزماته التى إما أن تبقيه فى سباته أو تعجل بمماته، ومن ثم فصناع السياسات الإعلامية يجب عليهم الالتفات لمثل ذلك الخلل الذى يضرب المنظومة فى جانب ليس بالقليل منها، يجب أولا أن نعتمد على المتخصصين ونشدِّد على ضرورة التخصص ونعلن عن اختبارات دقيقة للاستقرار على العناصر المتخصصة، ونتخلص من تقييمات الوساطة والمحسوبية، وأؤكد مرة ثانية أن مفهوم التخصص الذى أقصده شامل لكل شىء ثم بات من الضرورى الآن إعلاء المتميزين لاسيما من الشباب وتجديد دماء الشاشات والإذاعات والصحف والمواقع، مع الاستعانة بالطبع ببعض العناصر المخضرمة التى تمتلك الخبرات والتجارب ليقومون بالتدريب و التوجيه، نحتاج إعلاما شابا بحجم وقيمة مصر الكبيرة، إعلاما يظهر الصورة الحقيقية لبلد يحارب على كل الجبهات وينتصر، فما تحقق فى مصر من إنجازات على مدار السنوات الخمس الماضية عظيم وما واجهته من تحديات صعبة وانتصرت ربما لم يحدث فى دولة أخرى على مستوى العالم، ليت الإعلام ينشغل بمصر فهى حتما تستحق. 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز