د.حسام فاروق
كل ما فى الحكاية أن صانع الطبخة هذه المرة قرر تغيير الطبق مع تقديم نفس الطعام "البايت" والذى فى رأيى سيظل محتفظا بلقب "بايت"، مهما تم تسخينه مرات ومرات، أنت كمشاهد ملّ هذه الوجوه و"الطبخات البايتة" على مدار ما يقرب من خمسة عشر عاما، ستجد نفسك مُستَفزَّا وأكثر ما يستفِزك لقب "الإعلامى الكبير" أو "الإعلامية الكبيرة"، لا سيما أن المذيع الذى علق على التنويه يعطى "المد بالياء" فى كلمة الكبير حقه بزيادة لتسمع "الكبييييير".
ولا نعرف هل كبير فى السن؟ أم كبير فى ثقافته وعلمه ولغته وحضوره؟ أم كبير فى الحجم "سمين" مثلا؟ أم كبير بالإعلانات المتخللة برنامجه؟ أم كبير فى محيط "الشِلَّة" المالكة لشبكة القنوات الفضائية التى تُعد هذه القناة إحدى محطاتها؟ وهى نفسها "الشِلَّة" التى تمنح لقب الكبير والصغير وتُدير مجموعة بعينها ممن تُسميهم بالإعلاميين، وفى ذلك شكُ طبعاً فليسوا جميعهم يستحقون لقب إعلامى، تحركهم يميناً ويساراً عبر شاشاتها، وهى على ما يبدو واثقة فى قدراتهم لدرجة الإلحاح بهم على الناس لسنوات دونما التفكير مرة فى الإجابة على السؤال: هل يتقبلهم الناس أم لا؟، نفس الأمر ينطبق على الإعلامية الكبيرة، التى لا نعرف بأى أمارة هى كبيرة، ويضاف إلى ما سبق ذكره فى السؤال عن السبب، هل هى كبيرة بجمالها، وبعينيها النعسانتين، أم بكم المساحيق على وجهها أم كبيرة بعلاقاتها؟
مكمن حيرتنا فى: هل الكبير كبير على حقْ؟ أم كبير بعوامل أخرى؟ و ما هى القواعد التى يتم بناء عليها تصنيف الكبير والصغير فى الإعلام؟ ومن الذى يمنح ألقاب الكبير والأغلى والأشهر؟ هل هو تقييم الجمهور الذى يُفترض أن يكون الأساس بناء على قدر الاستفادة من الإعلامى ومدى قبوله لدى الناس أم هى تقييمات أخرى؟
الشواهد تقول أنها تقييمات أخرى يأتى على رأسها وأهمها سطوة الإعلانات فى سوق الإعلام بحيث أصبحت الإعلانات هى المتحكمة الآن فى التصنيفات من كبير وصغير، ومتحكمة أيضا فى نجاح أو فشل أى برنامج على أساس مدى قدرته على تحصيل أكبر قدر من الإعلانات، وأمام هذا لا يهم ما يقدمه البرنامج من إعلام، ولا يهم ما إذا كان المذيع أو المذيعة يمتلك القبول والثقافة واللغة وثوابت المهنة أم لا، بل ولا يهم ما إذا كان المذيع يصلح من الأساس للظهور على الشاشة من عدمه؛ المهم الإعلانات التى خَلَطتْ الحابل بالنابل على الشاشات، ولم يعد الفرق واضحا بين برنامج نجح لأنه يحافظ على ثوابت القيم الإعلامية، أم نجح لأسباب أخرى ليس من ضمنها القيمة.
للأسف الشديد، إعلامنا المصرى الذى من المفترض أن يوجِّه الرأى العام ويشكِّل الوعى بات فى جانب منه وأخص هنا "بعض الإعلام الخاص" موجَّهاً من قِبل سوق الإعلانات الذى تحكمه "الشِلَلِيَّة"، وخَضَعت الرسالة الإعلامية للتسعير ولقواعد العرض والطلب بما يهدد أشياء كثيرة فى رسالة الإعلام من حيث الهدف والقيمة.
لقد طرحت الإعلانات ثمارا تمثلت فى وجوه بعينها احتلت معظم الشاشات لسنوات طويلة ليس لقيمتها الإعلامية وثقافتها ولكن لأنها استطاعت بعلاقاتها، أو بشركاتها أو بمصالحها المتبادلة مع الآخرين أن تجمع رصيدا إعلانيا كبيرا جعلها تتصدر قائمة المذيعين "الكبار" والأعلى أجرا، وتطيح بوجوه أخرى أكثر ثقافةَ وهدفاَ وقيمةَ، كنا نتوسم فيها الخيرن لكنها مع الأسف انسحبت من المشهد لأنها ليس وراؤها شركات إعلانية، ولا تعرِف الكابتن فلان صديق صاحب الشركة الفلانية، ومن ثم ففى أغلب الأحيان لم يَعُد مستوى الجودة والمادة والقيمة هو المقياس.
فى الوقت الذى أصبحت فيه الفضائيات تتصدر أهم أدوات تشكيل وصياغة الوعى بالتأثير الثقافى والفكرى والسلوكى، اضطرت هذه الفضائيات إلى تقديم تنازلات كثيرة أمام سطوة الإعلانات التى تتحكم فى ترتيب قوائم الوجوه والمحتوى على الشاشات وتحولت بعض وسائل الإعلام إلى وسائل إعلانية، وفقدت دورها الحقيقى الذى ينتظره المشاهد كنافذة إعلامية تتمتع بالعمق والمصداقية، وباتت روح هذه الفضائيات فى يد الإعلانات.
لاشك أنها معركة كبيرة وخطيرة، تَكمُن خطورتها فى أنها صراع بين الفكر والمال، ونحن نعيش فى عصر أصبح للمال فيه سلطان كبير على كل شىء.
ليس معنى كلامى أننى لا أقدر دور الإعلان فى صناعة الإعلام الحديث، فرسالة الإعلان واضحة وصريحة ولا يستطيع أحد إنكارها أو تجاهلها، فالإعلان يقف وراء نجاح مؤسسات وصناعات كثيرة باعتباره أصبح الآن نشاطا اقتصاديا وإنسانيا وحضاريا مبهرا فى تقنياته وبرامجه ومؤسساته.
ولا أمانع فى أن تلجأ الفضائيات للإعلان فأنا أُقدر حاجتها لذلك، وأعلم أيضا أن الإنتاج الإعلامى الكبير لابد له من المال الكثير وأن الإعلانات هى أحد أهم مصادر تمويل الإعلام فى هذا الزمان، ولكنى أطالب عند اللجوء للإعلانات أن نضع ضوابط وحدود تضمن عدم الجَور على مضمون الرسالة الإعلامية وتراعى المسؤولية الوطنية والأخلاقية للإعلام فى المجتمع ولا أُنكر أن هناك قنوات فضائية مصرية بدأت تتدارك هذه المعضلة وتحقق توازنا مقبولا بين الإعلام والإعلان، ولكن يبقى السؤال: لماذا لا تصنع تلك الشبكات الفضائية الكبيرة ذات المال الوفير جيلا جديدا من الإعلاميين يجمع بين القيمة والثقافة والمضمون، وفى نفس الوقت تطرحهم كوجوه جالبة للإعلانات؟
ولا مانع من اختيارهم وفق ضوابط تراعى الجانب الإعلانى ولا مانع أيضا من تدريب من يحتاج إلى تدريب، بدلا من إصرار تلك الشبكات على الإلحاح ببعض الوجوه المحروقة التى أكل الدهر عليها وشرب والتى لعبت كل الأدوار فى كل العصور وتربَّحت من الجميع، وناضلت مع الجميع على طريقتها تحت مسمى "الإعلامى الكبير" و"الإعلامية الكبيرة"، لماذا لا نستثمر فى الوجوه الجديدة دونما انتقاص من قيمة الإعلام كفن ومهنة لها ضوابطها و أصولها؟
أخيراً: الكبير كبير بقيمته وفائدته وقبوله وثقافته ولغته وما يقدمه من علم وليس كبير بإعلاناته و "شِلَّتِة"، ولا مانع من استفادة الإعلام من الإعلان، بما لا يهدد مصداقية الأول وفى وجود مسافة تحفظ لكل صناعة أهدافها ووسائلها.